أعطاب الديمقراطية و حلها عند دو توكفيل .

أعطاب الديمقراطية و حلها عند دو توكفيل .

- ‎فيعلى مسؤوليتي, واجهة
172
0

اليكسيس دو توكفيل، هذا الوجه البارز للتيار الليبرالي في الفلسفة السياسية. عند سفره إلى الولايات المتحدة، استطاع وصف الديمقراطية الحديثة الولادة هناك. مقاربته أصيلة بالكامل، مرورا من الفلسفة النمطية الثمينة عند الكلاسيكيين- مونتيسكيو و روسو و اليونان، إلى مقاربة وصفية و إكلينيكية للديمقراطية. مقاربته قريبة جدا من فلسفة ميكيافيل و التي يستلهم منها أفكاره.
الإشكالية في قلب كتاب الديمقراطية في أمريكا هي كالتالي ؛
كيف يستطيع الشعب أن يحمي نفسه من نفسه ؟
في الجزء الأول من كتاب الديمقراطية في أمريكا، اعتبر توكفيل الرأي العام وسيلة لإكراه الشعب من طرف الشعب أكثر مما هو ضمان للعقلانية و الحرية.
في الجزء الثاني من الكتاب ، انتقل التساؤل إلى حماية الأفراد من الدولة الديمقراطية المستبدة.
و بالنتيجة ؛ من المنظور الليبرالي، يبحث توكفيل عن حماية الفرد ضد كتلة المواطنين الآخرين و ضد انحرافات الدولة الأبوية.
الديمقراطية و مصدر السلطة.
يقول توكفيل أن الديمقراطية الأمريكية مبنية على إطلاقية السيادة الشعبية ، هذه الأخيرة هي مصدر السلطة التشريعية ، و التي تنفذ بواسطة الممثلين المنتخبين في كل مرة. في قلب الديمقراطية تتواجد فكرتان قويتان، و هما المساواة و الحرية. و البحث عن المساواة في الديمقراطية لها أسبقية على البحث عن الحرية. تؤسس هذه الجدلية للمبادئ الديمقراطية إمكانية تدمير ذاتي للنظام الديمقراطي بأسره.
انحرافات الديمقراطية.
إن الخطر الوازن ، اللصيق بأي ديمقراطية هو الذي يفسر ثنائية الأحكام ، الحماسية و الناقدة لتوكفيل الذي يشخص أعطاب الديمقراطية و يحاول رؤية العلاجات المناسبة لها من داخل النظام الموجود نفسه. شفاء هذه الاعطاب لا تتأتى من الخارج و لكن بالنزعات الحاضرة أصلا داخل الديمقراطية نفسها. توكفيل لاحظ أن هناك ثلاث أخطار رئيسة تهدد النظام الأمريكي الديمقراطي و هي ؛ استبداد الأغلبية ، الفردانية و سلطوية الدولة.

1-ديكتاتورية الأغلبية.

تأتي ديكتاتورية الأغلبية ديمقراطيا من الفضاء العام . و الرأي العام ، نتيجة نقاشات حرة بين مواطنين داخل الفضاء العام؛ هو في واقع الحال رأي الأغلبية. في حين أن هذه الأغلبية، التي يمكن وصفها بالعاقلة و المشروعة، تمتلك قوة الإكراه على آراء الأقلية المجبورة على أن ترزح تحت الرأي السائد. و هكذا؛ فالديمقراطية التي ولدت من الحرية ، يعدمها الرأي العام بعد ذلك. استبداد الأغلبية هذا، يأتي من السيادة المطلقة للشعب الذي يظن انه يعطيه ذلك الحق في فعل أي شيء، الاعتقاد في قدرته المطلقة. و لهذا، و من أجل حماية الأقلية المجبرة على النمطية و على *الفكر السليم* السائد ؛ يجب إقامة حاجز لهذه السلطة المطلقة. علاج هذا العطب الذي يستولي على الديمقراطية هو التجمع السياسي. يميزه توكفيل عن التجمع المدني الذي يهتم بالشؤون الخاصة للأفراد الدينية و التجارية و الأخلاقية و ليس محط اهتمامه قضية سياسية. في حين أن التجمع السياسي له ارتباط بقضية عامة. يمكن تعريفه أنه تجمع أفراد حول مصالح عامة مشتركة. في هذا الإطار فقط يمكن للآراء المقموعة من طرف الأغلبية أن تعبر؛ التجمع السياسي يمنح وزنا حتى للصوت الواحد.هو الضامن للحرية الفكرية و التعبيرية اللامحدودة ؛ لاحترام حق المدينة في الانفصال ، هذا التجمع يمنع رفض الآراء الموصومة عبثا هي و المدافعين عنها بالانحراف. في اختلاف مع الحكم الفردي، الاستبداد الديمقراطي أو ديكتاتورية الأغلبية ليس ذا طبيعة مادية بل هي رمزية و نفسية، إنه يجعل من غير السائد غريبا . و بالتالي فمهمة التجمعات السياسية هي تطبيع المفكرين الأحرار *جعلهم طبيعيين و غير غرباء*. زيادة على ذلك؛ الحاجة من وجود هذا التجمع السياسي ينبثق من استحالة أن يكون طاغيا و مستبدا كونه سيبقى دائما أقلية حسب توكفيل. و التجمع الذي سيصبح أغلبية سيتوقف عن نضاله أصلا. و بقدر ما ستكون هذه التجمعات آلية للتغيير الاجتماعي و السياسي بقدر ما ستكون مبدأ للاستقرار. صحيح أنها ستدخل للمجتمع فصائل ضد السائد إلا أنها و بالسماح لكل الآراء في التعبير ستجنب المجتمع المؤامرات و الانقلابات. يقف توكفيل في نفس الخط مع كانط بما أنه يدافع عن مبدأ إشهار أصوات الأقلية. يحضر دافع كانطي آخر عند توكفيل و هو أن التجمعات السياسية تشجع على استعمال العقل النقدي. الرأي العام هو نتاج للفكر المشترك ، و عندما تتكلم الأغلبية ، سيصمت كل واحد منها في حين أن النقاشات داخل هذه التجمعات الأقلية ستستمر مما سيجعل النشاط السياسي مستمرا و بالنتيجة محاربة ضد الإجماع الديمقراطي و كذا الصمت و الجمود العقلي.
في المقابل ، هذه التجمعات السياسية الأقلية تنطوي على خطر و هو الفوضى. حيث أن تناسلها يمكن أن يؤدي إلى تقسيم لانهائي للسيادة الشعبية إلى درجة استحالة التشريع على قاعدة أغلبية. و لكن إيجابيات التجمعات ستهيمن على هذا الخطر. تتضمن التجمعات السياسية إذن بهذا المعنى قوة للمقاومة ضد ظلم الأغلبية و الأقليات الأخرى و ليس فقط ضد سلطة الدولة. و مع ذلك ، توكفيل لا يريد أن يجعل من هذه التجمعات هيئة تشريعية كبرى للديمقراطية.

2-الديمقراطية المهددة بالفردانية.

يقظة الروح هذه، التي أصبحت ممكنة بواسطة التجمعات السياسية..تعتبر أيضا يقظة للروح العامة للعقل. إن العطب الثاني الذي يهدد الديمقراطية هي الفردانية بالفعل. و التي تعني هذه النزعة للأفراد، النابعة من تقويض العلاقات التراتبية التي توحدهم في الأنظمة الملكية ، نزعة لقطع الارتباط بالمجتمع الكبير و التقوقع في مجتمع مختزل. أصل هذا العطب ديمقراطي بما أن المساواة *تكسر السلسلة و تضع كل حلقة على حدة*. و بالتالي فالتقوقع في دائرة ضيقة، يجعل المواطنين يعرضون الديمقراطية للخطر و التي من بين مبادئها المشاركة في السلطة. و لهذا، إن هذه التجمعات، و ليست كلها، تحمل على عاتقها دور لعلاج أي نزوع سلبي للديمقراطية. بالفعل أن تناسل التجمعات أو الجمعيات المدنية مضر لأن هذه الأخيرة تحرف النقاش العام و تصرف المواطنين عن القضايا العامة. أما التجمعات السياسية من جهتها تجذب الأفراد خارج ذواتهم تصارع ضد تجزيء الجماعي و تسمح لهم في المشاركة في الحياة العامة. و الآن، فالديمقراطية بواسطة الجمعيات أو التجمعات السياسية هي التي ستنجو من الفردانية رغم أن هذه الأخيرة هي التي أنجبت هذه التجمعات.

3-تدمير الديمقراطية من طرف دولة الرعاية السلطوية.

الفردانية ، إذا لم يتم إيقافها من طرف التجمعات السياسية سيطفو لا محالة على السطح الاستبداد البيروقراطي..و هو من الإفرازات المعطوبة للديمقراطية. بالفعل أن تدمير الواسطات القديمة التي تميز الملكيات المستبدة ترك الفرد وحيدا و ضعيفا أمام الدولة. و الذي أدى ليس فقط لتقوية الدولة و لكن أيضا لتغوّل سلطتها سواء في المجال الخاص كما العام. أصبحت *الدولة المصلحة الوحيدة لجميع المشاكل*، بانشغالها بجميع المسائل التي لا تهم إلا الأفراد عادة، الصحة و العمل و الفقر. إلى درجة أن الدولة تتحول إلى مرشد و مدرس * يتواجد أكثر على الدوام قرب،حول، و فوق كل فرد لمساعدته و نصحه و كذا إكراهه.*
نتيجة توغل الدولة الأبوية هذا، المسنود بسلطة كبيرة و ولية و التي تبعد أي إمكانية للفعل الجماعي للأفراد هو في الحقيقة جعل الشعب أقلية يفقد فيها كل استعمال للإرادة و العقل. هنا أيضا، يمكن اعتبار التجمعات السياسية سدا منيعا ضد شمولية سلطة الدولة. و تقيم فعلا واسطة بين الأفراد المعزولين و الدولة و تسمح لهم بمعارضتها، الدولة لا * تنزل فقط اتجاه الأفراد و لكن هؤلاء يصعدون أيضا نحوها. ما يعني بالنتيجة لا تمركزا للسلطة و تعوض هذه التجمعات الواسطات الطبيعية القديمة المتمثلة في النبلاء في الأنظمة الملكية المطلقة و تكون بذلك قادرة على مقاومة الرعاية الأبوية للدولة.
خلاصة تحليل كتاب الديمقراطية في أمريكا لتوكفيل..
و بالتالي فالتحليل التوكفيلي للديمقراطية تظهر لنا بان التجمعات السياسية تمثل الحل الوحيد لثلاث إشكاليات، ضد الفردانية، ضد الطغيان الناعم للدولة و ضد استبداد الأغلبية. تمثل شبكة معارضة للسلط و تغدي الديمقراطية. رغم أنها تحاذي الفوضى و خطيرة على ديمقراطية إلا أنها و في نفس الوقت هي التي تسمح بتقوية و تثبيت الديمقراطية. أسس توكفيل لجدلية بين التجمعات أو الجمعيات السياسية و الديمقراطية. الثانية تسمح بانبعاث الأولى بإقامة نظام للحريات الممدودة كحرية التجمع و النشر و التعبير. و الأولى تقوي الديمقراطية أو بشكل أدق تنفذها. بالفعل يجب ممارسة و عيش الحريات الأساسية التي تبني الديمقراطية لكي يكون لها معنى. و التجمعات السياسية هي الكفيلة بتأدية هدا الدور. هده المكتسبات النهائية سيتم إعادة النظر فيها في القرن العشرين كما سيبينه ماركوز في كتابه * الإنسان و البعد الواحد.

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ربما يعجبك أيضا

زهير الشرادي يكتب : الإسلام ؛ وهم الدولة و دولة الوهم

  ” إننا لن نجبر العالم ، كل