خطة الضم

خطة الضم

- ‎فيدولي, واجهة
153
0

معاريف – بقلم  جاكي خوجي

في رام الله يفهمون بان فرصة الدولة في حدود 67 عاصمتها القدس طفيفة وبدأوا يهمسون في الغرفة المغلقة بخطة عمل جديدة. وماذا خلف الثناء الذي اغدقه مسؤول كبير في الجيش الاسرائيلي على نصرالله “.

في القدس يوجد مكان أيضا لعاصمة فلسطينية، هكذا أعلن رئيس أزرق أبيض بيني غانتس. وكان قال ذلك لصحيفة “الشرق الاوسط” السعودية. في مقابلة اجريت معه ونشرت في نهاية الاسبوع الماضي. غانتس لم يكتفِ بذلك واشار الى أن القدس لن تقسم. واذا ربطنا شطري هذه المقابلة، نفهم ما قصده رئيس الوزراء البديل السابق. ضمن امور اخرى، منح الفلسطينيين عاصمة في احدى البلدات المجاورة، ابو ديس مثلا.  

للحظة، في  تصريحه هذا،  أعادنا غانتس الى الايام التي كانت فيها القضية الفلسطينية في مركز جدول الاعمال السياسي. اما اليوم، فعندما يقال سلام، او تطور سياسي، يقصد دبي. وبالفعل فان احدا لم يهتز في أعقاب اقواله، لا الفلسطينيين. وبالتأكيد لا اليسار الناعس.

مؤرخ يعود في المستقبل الى هذه الايام، سيتعين عليه أن يبحث بالشموع عن النقاش العلني عندنا في القضية الفلسطينية. تلك التي هي بحد ذاتها حقيقة عجيبة. هذه المسألة لا تذهب الى اي مكان. وهي ستواصل التأثير علينا جميعنا، كارهيها وعاطفيها بل وستؤدي احيانا الى جدول الاعمال الامني. وفي هذه الاثناء، في داخلهم أنفسهم، يعيش الفلسطينيون أزمة حادة. فقد ضربتهم ولاية ترامب ضربة قاضية. جاءت الكورونا، فرضت سلم اولويات جديد ودحرتهم أكثر فأكثر الى اسفل السلم. احد من عاطفي المسألة الفلسطينية في العالم ليس متفرغا لها. الاتحاد الاوروبي مشغول بشؤونه، والدول العربية تركوهم لمصيرهم على قارعة الطريق. صحيح أن بايدن كفيل بان يبدي نحوهم ودا، ولكن قبل أن يدخل الى اعماق المسألة توجد امامه مسائل اكثر اشتعالا في العلاقات الخارجية وعلى رأسها التهديد الصيني، ازمة المناخ، كوريا الشمالية وروسيا. صائب عريقات مات، وفي رحيله لا يوجد من يقاتل في سبيل حل الدولتين مثلما يعرف هو كيف يفعل. وابو مازن في اواخر ايامه.

وهكذا ينقضي المجد. م.ت.ف التي في الماضي تصدرت جدول أعمال العالم العربي، فشلت في مهمتها التاريخية في اقامة دولة مستقلة وتجد صعوبة اليوم في أن تقرر جدول أعمال حتى لعامليها أنفسهم. قبل بضعة اسابيع أعلنت حنان عشراوي اعتزالها الحياة السياسية. وبمغادرتها، دعت وعن حق الى احداث ثورة في صفوف م.ت.ف والسلطة. هي ابنة 74، وفي السنوات  الطيبة لاوسلو اعتبرت رمزا. فقد كانت ممثلة جيل الزعماء الشباب، نقي اليدين، عدم الماضي العسكري وذو الكفاءات. وفي رحيلها أخذت معها أيضا ما تبقى من تفاؤل.

الأمل، بتعابيره المختلفة، هو ذخر آخذ في التقلص لدى الفلسطينيين في السنوات الاخيرة. وبشكل غير مفاجيء، فان شريحة الزعماء النشطة، الجائعة وذات القدرات ستجدونها اليوم في حماس بالذات. في غزة، في تركيا، في قطر وحتى في السجن. في كل واحدة من قواعد الحركة، حيثما توجد ستجدون شخصيات مناسبة ظاهرا لان تمسك بلجام الزعامة. هذا صعب قوله  اليوم عن م.ت.ف.

يدفع هذا الواقع الفلسطينيين لاعادة احتساب المسار من جديد، وهذا ما يجري في الاسابيع الاخيرة في قيادة السلطة. في رام الله يفهمون بان الكفاح لاقامة دولة مستقلة في مناطق 67 عاصمتها شرقي القدس، انتهى بالهزيمة، الا اذا ما وقعت معجزة. وهم يعترفون بذلك في الغرف المغلقة، وان لم يكونوا عبروا عن ذلك علنا. صحيح أننا خسرنا ورقة مظفرة، يقولون لانفسهم، ولكننا بقينا على أرضنا. اذا كانت اسرائيل صفت حل الدولتين بواسطة المستوطنات، فلدينا خطة عمل ثانية – دولة واحدة لليهود والفلسطينيين من نهر الاردن وحتى البحر الميت. وهم يعرفون بان هذه ليست خطة مثالية ولكنها الافضل بحكم الظروف. هذه هي الفكرة الاخذة بالتبلور لانعدام البديل لدى اصحاب القرار في رام الله. وعليها بنيتهم الكفاح.

هم لا يزال لم يصيغوا لانفسهم مبنى الحكم في الدولة المستقبلية، وكيف ستدار الحياة الى جانب اليهود. هذا سابق لاوانه. وهم يعرفون جيدا أن اسرائيل لن توافق على أن توطن حتى ولا فلسطيني واحد. ولكن من يضمن لهم، لليهود، في أن يبقى الوضع الحالي الى الابد. فهم منذ الان يتحدثونعن الضم. وقد فرضوا منذ الان سيطرتهم على كامل الارض. غدا قد يأتي زعيم اسرائيلي يعلن عن ذلك رسميا. محافل رفيعة المستوى في رام الله تعتقد أنه ستمر سنوات اخرى، ربما عقد، ربما ثلاثة، فتتغير الظروف لصالحهم، بشكل يسمح لهم بان يطالبوا ويحصلوا على المساواة. او بلغتهم – النزاع يجري منذ مئة سنة. فليجري عشرين أو ثلاثين سنة اخرى. وهم يؤمنون بان في نهايته سنكون مواطنين متساوي الحقوق في دولتنا.

وللمفارقة فان الضم الذي اقترحه بنيامين نتنياهو قبل أكثر من سنة ينسجم مع خطتهم المستقبلية. في حينه رفضه المتطرفون إذ  اعتقدوا أنه يقوض دولتهم المستقلة التي ستقوم على اراضي 67. ولكن مع اختفاء هذا الحلم،  فان الضم كفيل بان يكون نعمة بالنسبة لهم. يحتمل أن يطالب الفلسطينيون في السنوات القريبة القادمة أو حتى يصلوا ليس فقط لضم  المناطق  الى اسرائيل بل لبسط السيادة الاسرائيلية على الضفة كلها. معظم  الجمهور الفلسطيني يريد ذلك. فهم  معنيون بان يكونوا مواطنين في دولة اسرائيل.  

دبلوماسية الثناء

ضابط كبير في هيئة الاركان قال لموقع الاخبار السعودي “ايلاف” حين سُئل عن نصرالله ففاجأ بجوابه إذ قال للصحافي مجدي الحلبي ان نصرالله ذخر لاسرائيل. ولو كان مريضا لبعثنا له بطبيب وأدوية بل وكشف الضابط الكبير الذي لم يذكر اسمه بان ايران عرضت على زعيم حزب الله أن يأخذ مكان قاسم سليماني، مسؤول الحرس الثوري الكبير الذي قتل بنار امريكية في العراق قبل سنة. نصرالله رفض، على حد قول الضابط، لانه وطني لبناني.  

نادر ان تمتدح اسرائيل اعداءها. ونادر حتى اكثر أن تكون  هذه هي الكلمات التي يختارها المتحدث. تصوروا ان يمجد نصرالله رئيس  الاركان بصدق على قرار اتخذه أو يصف رئيس شعبة العمليات او قائد المنطقة الشمالية او رئيس شعبة الاستخبارات بالوطني.

ينبغي الافتراض بان هذه لم تكن زلة لسان. فضباط هيئة الاركان خبراء في مثل هذا النوع من المقابلات. كما أن المنصة اختيرت بعناية.؟ فالهوية  السعودية تعد من يتقابل  معها ببيت حميم  وان  تنشر الاقوال بالعربية فيقرأها نصرالله نفسه بلغته.

يوجد جوابان محتملان للسؤال لماذا منحت تل أبيب نصرالله مداعبة تحبب. الايام هي ايام توتر اقليمي. ترامب لا يزال هنا. وللايرانيين يوجد حساب مضاعف معهم. الاول، بانه قتل سليماني، والثاني باشتباههم بان رجاله كانوا في سر قتل العالم النووي فخري زادة. وعلى حد فهمهم اسرائيل قتلته، وينبغي الافتراض بانهم غير مخطئين. عندما تُذكر اسرائيل نصرالله والجمهور اللبناني بانه في لحظة  حاسمة رفض هجر الوطن في صالح مغامرات خطيرة في خدمة الجمهورية الاسلامية، فانها على حد نهجها، تعزز اختياره.

جواب ممكن آخر يتعلق بالمفاوضات بين اسرائيل ولبنان على ترسيم الحدود. فحقول الغاز التي اكتشفت في أرضية البحر بين الدولتين تستوجب ترسيم الخط. وذلك كي نعرف بدقة نصيبنا من هذا الكنز وما هو نصيبهم. قيادة حزب الله لا  تدير المفاوضات عمليا. وهذه توجد في يد حكومة لبنان والرئيس ميشيل عون. ولكن بوسعها أن تؤثر عليه بل وان تحرفه عن مساره اذا لم تعجبها النتيجة. فمثلا، ممارسة الضغط على المفاوضين او معارضة العروض التي تطرح.  المحادثات، التي تدار بوساطة امريكية،  اصطدمت بمصاعب بالفعل. واذا ما نجحت فستمر خمس سنوات على الاقل الى أن يتمتع لبنان، الجائع لكل دولار، بالغاز  الطبيعي.

من أجل ان تنضج الاتصالات، فان على المشاكس في السياسة اللبنانية أن يسمح بذلك دون عراقيل. ينبغي الافتراض بان الطاقم الاسرائيلي يأخذ هذه المشكلة بالحسبان بل ويعطيها جوابا في  اتصالاته غير المباشرة مع الوفد اللبناني. ولكن دبلوماسية الثناء لم تضر  اصحابها ابدا. تعالوا نعلن أن نصرالله وطني، فلعل ذلك يقلل دوافعه لان يركل  الدلو. عن ذلك يقول  بتهكم  المثل العربي: اذا كنت تريد شيئا من الكلب فقل له الحاج كلب.  

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ربما يعجبك أيضا

الجامعة الملكية المغربية للكرة الطائرة تختتم جمعها العام العادي السنوي بمدينة مراكش

اختتمت الجامعة الملكية المغربية للكرة الطائرة اليوم بمراكش