لماذا الفكر الظلامي المنغلق يحارب الفن     

      لماذا الفكر الظلامي المنغلق يحارب الفن     

- ‎فيبكل حرية, واجهة
597
0

 

       لا تعريفا محددا للفن، و لان الفن في جوهره هو إظهار للجمال، فمن اللامعنى البحث عن تعريف له يقيده باشتراطات معينة ، الفن هو تحرر و انطلاق إلى الماوراء و اللامرئي و اللامحدد و اللانهائي، الفن لمحة شمولية لكل شيء ، قد نجده في زهرة..في كلمة.. في انحناءة..في ضحكة..في صنعة..في كلام و  في صمت..في الحضور و الغياب.. في كتاب.. في نملة.. في لعبة و في عمل.. في الأخذ و في التضحية.. في الرفاهية و في المعاناة. الفن يتخلل كل شيء و بدونه لا معنى للمعنى و لا معنى لللامعنى.

 

    و نحن نتحدث هنا عن الفن فلا نبغي أن نعرفه و لا ان نحيطه بسياج مفاهيمي فلسفي و لن نستطيع حتى لو أردنا،  لان الفن هو دائما تجاوز لذاته ليس كما اللغة التي تختزل و تشوه الواقع بمعنى من المعاني ، أما الفن فهو محاكاة للطبيعة و لهذا فهو أقوى من اللغة في التعبير،  بل تستعين به اللغة كي تتوحد مع المتلقي كما يحصل في الأدب، الشعر و الغناء و الرواية، المجاز في هذه الأجناس الأدبية كما يعبر عن ذلك اشتقاق الكلمة هو في العمق تجاوز للغة،  فنجد البحر يبكي و الطيور تضحك و الشجرة تغضب و السماء تستنجد. في اللغة نجد الفني و السافل كما نجد هذا في كل شيء، هناك غضب فني و غضب سافل.. فرح فني و فرح سافل.. علم فني و علم سافل.. كلام فني و كلام سافل..تسامح فني و تسامح سافل.. كما لو أن التاريخ الإنساني كان صراعا بين الفن و السفالة.. بين الجمال و الرداءة.

    الفنان ،  في أعماق جوفه يريد أن يصل لحقيقة الشيء و لجوهره و لكن بعد جهد كبير يعلم انه لن يصل.. فقط يحاول أن يقارب تلك الحقيقة المنشودة التي ما فتئ البشر يبحث عنها إلى الآن.. الفنان بعد تجربته الفنية مستحيل أن يكون اطلاقيا و ان يدعي انه حامل للحقيقة المطلقة.  يحدث لنا جميعا أن نستمع لموسيقى ثم تحذونا تلك الرغبة في الوصول إلى ذاك العالم الماورائي ، فما أن نحس أننا اقتربنا حتى ندرك أننا لم نصل.. هي رغبة روحانية في التوحد.. و لهذا الفنان نسبي في أحكامه و معرفته، الفنان لا يريد الامتلاك، بل يريد التحرر و التحرير، الفنان يحس في قرار نفسه انه ليس ملكا لأحد و لا حتى لنفسه كما يظهر لنا في أشعار الشعراء و روايات الكتاب.

    الفن هو ذاك الإيمان بالمفارق المتجاوز لكل النمطيات و التصنيفات و التحديدات و القوالب الفكرية و الإيديولوجية.. الفن هو تجاوز للذات و تطلع للأفق اللانهائي، ما الفنان؟  هو المجاوز لذاته.. ما المفكر؟  هو المجاوز لفكره الاجتماعي و الاقتصادي،  الفن هي تلك النزعة الباحثة عن المعنى و القيمة،  سقراط منح حياته لتبقى القيمة و كذلك فعل النبي عيسى و آخرون فيما يسمى بالبطل المأساوي،   لو لم يشعر العالم اينشتاين بالجمالية و هو يبحث لما وصل لنظرية النسبية العامة و الخاصة و كذلك يشعر الفنان و الفيلسوف و المبدع و العابد.

     يصعب أن تجد فنانا و هو رجعي و متطرف  انغلاقي و متعصب فبالأحرى أن يكون ظلامي و استئصالي،  يصعب أن تجد إنسانا يتذوق الجمال يميل إلى الإضرار أو الانتقام،  الفنان يؤمن بالجمال و بالتالي التناسق و إذ ذاك سيرنو إلى العدل بدل الانتقام..إلى المحبة بدل الحقد.. إلى العمق بدل السطحية.. إلى النور و الأنوار بدل الظلام و الظلمات. الجمال قيمة فنية تحملها الفنون.. كالمسرح الشعر السينما و الرسم.. هذه الأخيرة التي تستطيع أن تنتج إنسانا سويا.. و لهذا مدرسة دون فن مدرسة خطيرة.. إعلام دون فن إعلام خطير.. و حياة دون فن حياة  لا معنى لها.

 

د. خالد بوخش.      

 

    

    

 

 

                                                                                 

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ربما يعجبك أيضا

شذرات لفهم العقل الجمعي

  بقلم علي سكاك ان المجتمع -باعتباره كيانا-