احتضنت مدينة طنجة، ما بين 27 و29 أبريل 2026، فعاليات ندوة «عبور المضيق – Crossing the Strait Seminar»، التي نظمتها اللجنة المغربية-الأمريكية للتبادل التربوي والثقافي (MACECE)، بشراكة مع فولبرايت إسبانيا ومعهد المفوضية الأمريكية بطنجة للدراسات المغربية (TALIM)، في مبادرة أكاديمية دولية جمعت باحثي برنامج فولبرايت المقيمين بالمغرب وإسبانيا في فضاء حواري متعدد التخصصات.
وشهدت هذه التظاهرة العلمية، التي احتضنها مقر المفوضية الأمريكية بطنجة على مدى ثلاثة أيام، مشاركة 26 باحثًا وأستاذًا أمريكيًا، إلى جانب عدد من خريجي البرنامج وشركائه المؤسساتيين، في إطار لقاء فكري يروم استكشاف الأبحاث والأفكار والشراكات العابرة لمضيق جبل طارق، وتعزيز التعاون العلمي بين ضفتي المتوسط.
ويأتي تنظيم هذه الندوة انطلاقًا من الحمولة الرمزية والتاريخية التي يمثلها مضيق جبل طارق، الذي لم يكن عبر الزمن مجرد فاصل جغرافي بين المغرب وإسبانيا، بل شكل مجالًا حيويًا للتفاعل الحضاري والثقافي والاقتصادي والفكري. فقد أتاح القرب الجغرافي بين البلدين تراكمًا غنيًا من التبادلات الإنسانية والمعرفية، لا تزال تجلياته حاضرة في علاقات التعاون المعاصرة.
وفي هذا السياق، تروم ندوة «عبور المضيق» أن تكون منصة سنوية لترسيخ الحوار الأكاديمي بين باحثي فولبرايت في المغرب وإسبانيا، بما يفتح آفاقًا جديدة للشراكات العلمية والمقاربات البحثية المشتركة.
واستُهلت أشغال الندوة مساء الاثنين 27 أبريل بحفل استقبال موسيقي بالمفوضية الأمريكية بطنجة، نظمته مؤسسة ماجوريل، وتضمن مقطوعات للمؤلف الإسباني مانويل دي فايا، في أجواء شكلت مدخلًا ثقافيًا لثلاثة أيام من النقاش الأكاديمي المكثف.
أما البرنامج العلمي، فانطلق صباح الثلاثاء بكلمات افتتاحية ألقاها نائب السفير الأمريكي السيد بنجامين زيف، إلى جانب المديرين التنفيذيين للجان المنظمة، قبل أن تتواصل الجلسات العلمية عبر سلسلة من النقاشات التي تناولت محاور التاريخ العابر للمتوسط، والتبادل الثقافي، والتعليم واللغات، ونقل المعرفة، والطاقة والموارد والتنمية الجهوية، فضلًا عن قضايا المجتمع والسياسات العمومية والصحة، إضافة إلى ورشات تطبيقية خُصصت لتطوير التعاون الأكاديمي وممارسات البحث المشترك.
وفي كلمة له بالمناسبة، أكد السيد بنجامين زيف أن الفضاء التاريخي لمضيق جبل طارق يوفر إطارًا مثاليًا لأبحاث متعددة المجالات، مبرزًا أن الحوار متعدد التخصصات قادر على تحويل القرب الجغرافي إلى شراكة فكرية حقيقية وتجسيد ملموس للدبلوماسية المستدامة.
من جهتها، اعتبرت الدكتورة ريبيكا غيفنر أن ندوة «عبور المضيق» تجسد الدور المحوري للبحث العلمي بوصفه جسرًا للتقارب بين الشعوب، من خلال جمع باحثين من تخصصات ولغات ومسارات تاريخية متعددة داخل فضاء معرفي عابر للحدود، يفتح المجال أمام الابتكار ويعمق فهم الإرث المشترك والروابط الإنسانية والثقافية.
بدوره، أوضح السيد ألبرتو لوبيز سان ميغيل أن التعاون مع اللجنة المغربية-الأمريكية ومعهد طنجة الأمريكي للدراسات المغربية يهدف إلى تحويل مضيق جبل طارق من حدّ جغرافي إلى جسر حي للتبادل الفكري، مؤكدًا أن دعم الباحثين في استكشاف الإرث المشترك والتكاملات المعاصرة بين المجتمعات يرسخ فهمًا متبادلًا أكثر استدامة.
وتندرج هذه المبادرة كذلك ضمن سياق احتفالية Freedom 250، التي تخلد مرور 250 سنة على استقلال الولايات المتحدة الأمريكية، وما راكمته من حضور ريادي في مجالات التعليم والبحث العلمي والتعاون الدولي، وهو ما منح الندوة بعدًا رمزيًا إضافيًا يتجاوز حدود النقاش الأكاديمي نحو ترسيخ نموذج الدبلوماسية بين الشعوب الذي يشكل برنامج فولبرايت أحد أبرز تجلياته منذ قرابة ثمانية عقود.
ومع احتفال المغرب والولايات المتحدة بمرور 250 عامًا على علاقاتهما الثنائية، تبرز مبادرات من قبيل ندوة «عبور المضيق» باعتبارها ترجمة عملية لمتانة هذه الروابط، ليس فقط على المستوى الدبلوماسي، بل أيضًا من خلال ما يصنعه الباحثون والأكاديميون من جسور معرفية وإنسانية ممتدة.






















