يقال في الأثر المأثور إن فاقد الشيء لا يعطيه، وإن من عجز عن ترتيب بيته الداخلي، يستحيل عليه أن يتصدر مجالس الكبار. ويبدو أن السيد عبد الكبير اخشيشن، رئيس النقابة الوطنية للصحافة المغربية، قد أخذ هذه المقولة وطبقها بحذافيرها، بل وتفوق فيها إلى حد تحويل الصحافة المغربية من “صحافة” تضرب بها الأمثال في محيطها الإقليمي، إلى “يتيمة” تتسول مقعداً في المؤتمرات الدولية ولا تجده.
ما يحدث اليوم ليس مجرد كبوة جواد عابرة، بل هو سقوط حر يكشف بالملموس حجم الخراب الذي أوصلنا إليه هذا الرجل، والذي بات – وبلا منازع – السبب المباشر لكل مصائب الصحافة المغربية.لنتحدث بلغة الأرقام والوقائع، فالأرقام لا تكذب ولا تجامل أحداً في صالونات الرباط المغلقة.
في مؤتمر عمان سنة 2022، حزم السيد خشيشن حقائبه وذهب متبجحاً ليعود بخفي حنين، بعد أن لفظته صناديق اقتراع المكتب التنفيذي للاتحاد الدولي للصحافيين (IFJ). قلنا حينها: “لا بأس، ربما هي سحابة صيف، وسيتعلم الرجل من أخطائه ويراجع استراتيجيته المضروبة في الصفر”. لكن الطامة الكبرى حلت في مؤتمر باريس 2026!
في عاصمة الأنوار، انطفأت أنوار نقابتنا بالكامل. تكرر سيناريو الفشل، لكن هذه المرة بـ “شوهة” عابرة للقارات. اخشيشن لم يفشل فقط في انتزاع مقعد داخل المكتب التنفيذي، بل تذيل الترتيب بشكل يندى له الجبين! احتل الصف الأخير ضمن مرشحي إفريقيا، والخامس عربياً. تصوروا معي، المغرب؛ البلد الذي يمتلك تاريخاً صحفياً يوزن بالذهب، يتذيل القائمة، في حين تنتزع دول شقيقة كتونس وفلسطين مناصب قيادية وازنة كـ “نواب الرئيس”. هل هناك إهانة لذكاء الصحافيين المغاربة وتاريخهم المؤسساتي أكبر من هذه؟
المشكلة العميقة لا تتوقف عند فقدان مقعد نقابي في بروكسل أو باريس، المشكلة أن اخشيشن هو التجسيد الحي والمباشر لـ “الخوا الخاوي” الذي تعيشه المهنة داخلياً. هذا الفشل الدولي المتكرر ليس سوى انعكاس طبيعي لأزمة قيادة مستفحلة. كيف لمن عجز عن نسج خيوط التواصل وبناء تحالفات قوية مع محيطه الإفريقي والعربي أن يدافع عن حقوق صحافي مقهور في وطنه؟
هذه العزلة الإقليمية والدولية التي فرضها علينا اخشيشن تعني شيئاً واحداً وخطيراً: غياب المغرب عن الجهاز التنفيذي للاتحاد الدولي للصحافيين هو فقدان كامل للتأثير في القرار. لقد تركنا الكرسي فارغاً لتلعب به الرياح، ولتتحكم أطراف أخرى في صياغة السياسات الدولية وتقارير حرية الصحافة التي تعتمدها المنظمات الكبرى. نحن غائبون تماماً عن المطبخ الذي تُطبخ فيه القرارات التي تهمنا، والسبب؟ استراتيجية نقابية عقيمة لا تتقن سوى لغة الخشب وإصدار بيانات لا يقرأها أحد.
لقد حول اخشيشن النقابة إلى كيان بلا أنياب، واكتفى باحتكار الواجهة، بينما المهنة تغرق في وحل التفاهة والهشاشة. الدبلوماسية النقابية ليست سياحة والتقاطاً للصور التذكارية في بهو الفنادق، بل هي حنكة، وعلاقات، وقدرة على التسويق لملف مهني وطني ثقيل.
إن استمرار هذه القيادة هو استمرار لمسلسل النكسات. الصحافة المغربية أكبر بكثير من أن تُختزل في شخص يراكم الهزائم ويسميها “مشاركة مشرفة”. لقد حان الوقت لمراجعة حقيقية وجذرية وتنظيف البيت النقابي من الداخل، لأن التاريخ لن يرحم من حوّل نقابة بحجم وتاريخ النقابة الوطنية للصحافة المغربية إلى مجرد “كومبارس” معزول في مسرحية رديئة الإخراج. والسلام.





















