يبدو أن تجارة المآسي واستثمار الدموع قد أصابها الكساد في سوق “النضال الافتراضي”، فلم يجد “مهندسو” الفتنة وحراس المعابد البائدة من حيلة سوى إعادة والدة ناصر الزفزافي إلى واجهة الأحداث، ليس كأم مكلومة تبحث عن مخرج لابنها، بل كمنصة إطلاق صواريخ سياسية موجهة بخبث شديد من غرف خلفية مظلمة. الخرجة الأخيرة لم تكن زلة لسان، بل “سكريبت” مكتوب بعناية، تم تلقينه لسيدة جُندت عواطفها لتمرير مغالطات لا يقبلها عقل ولا يصدقها منطق. قمة العبث والبهلوانية السياسية أن تخرج علينا هذه الجهات بمقارنة بائسة وعرجاء بين عفو ملكي كريم شمل مشجعين رياضيين أجانب تورطوا في جنح شغب ملاعب، وبين مدانين بأحكام جنائية ثقيلة تتعلق بالمس بالأمن القومي وترويع الساكنة وتعطيل شعائر الله في بيوت العبادة. كيف يستوي في رأس من لقنوا هذه السيدة هذا الهذيان، أن يقارنوا بين قرار سيادي محض يدخل في صميم الهندسة الدبلوماسية للمملكة وامتداداتها الإفريقية، وبين ملف حُسم أمام قضاء مستقل بالدليل والبرهان؟ الجواب بسيط: إنها محاولة دنيئة لدغدغة عواطف الشارع وتصوير الدولة وكأنها تحابي الغريب وتطحن القريب، وهي كذبة سمجة لا تنطلي إلا على سذج الفضاء الأزرق الموهومين.
ولأن جرعة الوقاحة لم تكن كافية، فقد تمادت الأيادي الخفية في العبث، موجهة بوصلة الهجوم نحو نبش القبور واجترار الأساطير، حين جرى إجبار السيدة على نطق كلام أكبر منها، مفاده أن الدولة تعاني من “عقدة” اسمها عبد الكريم الخطابي. يا للوقاحة الفكرية والتزوير المفضوح للتاريخ! الخطابي، رحمه الله، كان بطلاً وطنياً شامخاً وقامة من قامات المقاومة من أجل وحدة المغرب ورفعته، ولم يكن يوماً “ماركة مسجلة” في أسواق الانفصال الخردة، أو راية تُرفع لتحدي هيبة الدولة ومهاجمة مؤسسات المركز بخطاب عرقي مقيت. إن إقحام هذا الرمز التاريخي بهذا الشكل المستفز، واستعمال مصطلح “المخزن” بتلك النبرة القدحية المليئة بالأحقاد الموروثة، يكشف بما لا يدع مجالاً للشك أننا لسنا أمام مناشدة عفو، بل أمام أجندة مدروسة ينفذها طابور خامس يقتات من إملاءات خارجية، ومن أجهزة جيران السوء التي تتربص بأي فرصة لتعكير صفو هذا الوطن.
إن من يدفعون هذه الأم المغلوبة على أمرها لترديد هذا الكلام المسموم، هم في الحقيقة أكبر أعداء لابنها، وهم من يطيلون إقامته خلف القضبان. إنهم يحاولون يائسين صناعة أصنام نضالية من وهم، ويقامرون بمستقبل المعتقلين من أجل حفنة من “اللايكات” وتصفيقات المرتزقة في طوابير المنظمات الأجنبية. يجب أن يفهم هؤلاء، ومن يحركونهم كالدمى من وراء الستار، أن الدولة المغربية ليست حائطاً قصيراً للابتزاز، وأنها لا تدار بـ”اللايفات” ولا تخضع للضغط العاطفي المصطنع. العفو، حين يأتي، يكون من موقع السيادة والرحمة والمقدرة، لا تحت طائلة لي الذراع ولغة التهديد والوعيد المبتذلة. كفى من هذا العبث الرخيص، وكفى من استغلال عواطف الأمومة في حروب الوكالة القذرة. فالمغرب كبير بمؤسساته وتاريخه، والوطن خط أحمر لا يقبل القسمة ولا المساومة، ومن يظن أنه يستطيع ابتزاز الدولة بشريط فيديو ملقن، فهو مجرد غبي يحرث في البحر، ولن يجني من وراء هذا الصراخ سوى مزيد من العزلة والنسيان… والوقت كشاف.





















