بقلم الدكتور أنوار قورية – خبير في الذكاء الترابي والحكامة الرقمية
ليست كل الروايات التي تروى في زمن الصراعات الإعلامية تستحق أن تستقبل بالتصفيق، فبعضها يحتاج فقط إلى قليل من المنطق وكثير من الأسئلة، فمنذ انتشار قصة الطفل الأمريكي الجزائري (الذي ليس طفلا بالنظر الى حجمه) الذي قيل إنه تعرض لاعتداء خطير أثناء تشجيعه المنتخب المغربي، بدا واضحا أن القضية تجاوزت بعدها الإنساني، إن صحت تفاصيلها، لتتحول إلى مادة دعائية تتقاذفها المنصات والصفحات، وهنا لا يصبح السؤال من المخطئ؟ بل هل الرواية، كما قدمت للرأي العام، متماسكة منطقيا؟ لأن احترام عقول الناس وذكاءهم يقتضي أن تبنى القصص على الوقائع لا على العواطف، وعلى الأدلة لا على الرغبة في صناعة الانطباعات.
ومن بين أكثر النقاط التي أثارت الاستغراب ما يتعلق بالحالة الصحية التي قيل إن الطفل المشجع تعرض لها، فإذا كان الحديث يدور عن إصابة خطيرة على مستوى الرأس وارتجاج يستدعي عناية طبية (استحضار التغيرات الجزيئية والخلوية دون الخوض في تحديد المناطق المتأثرة وما سيصاحب الارتجاج من أعراض)، فإن ظهور الشخص نفسه بعد فترة قصيرة في مدرجات مباراة الجزائر وسويسرا، يتنقل ويلتقط الصور مع اللاعبين ويشارك في أجواء رياضية عادية، يطرح علامات استفهام مشروعة، ليس لأن ذلك مستحيل بالضرورة، وإنما لأن الرواية تحتاج إلى تفسير طبي واضح يرفع هذا التناقض، وإلا فإن الرأي العام من حقه أن يتساءل عن مدى انسجام الوقائع مع ما تم الترويج له.
المشكلة الأكبر ليست في وجود رواية قابلة للنقاش، بل في الإصرار على تقديمها باعتبارها حقيقة مكتملة لا يجوز مساءلتها، فحين يصبح التشكيك المنطقي جريمة، ويصبح طرح الأسئلة نوعا من العداء، نكون أمام أزمة في طريقة إدارة الخطاب أكثر مما نحن أمام حادثة رياضية، الدول الواثقة من نفسها لا تحتاج إلى المبالغة في صناعة المظلومية، ولا إلى تحويل كل مناسبة رياضية إلى معركة سياسية، لأن الحقيقة وحدها تكفي إن كانت بالفعل في صالحها.
الأخطر من ذلك أن الإعلام الذي يتخلى عن وظيفته في التدقيق ويتحول إلى مجرد ناقل لروايات غير ممحصة، لا يخدع الآخرين بقدر ما يخدع جمهوره أولا، فبناء الوعي على قصص متناقضة قد يحقق مكاسب دعائية مؤقتة، لكنه يزرع على المدى البعيد ثقافة قبول أي رواية ما دامت تخدم الخطاب الرسمي، وعندما يعتاد الجمهور على تصديق كل شيء دون مساءلة، يصبح الضحية الأولى هي قدرته على التفكير النقدي، لا صورة الخصم التي يراد تشويهها.
إن أخطر أنواع الارتجاج ليس ذلك الذي يصيب الرأس، بل الذي يصيب المبادئ والقيم والعقل السياسي والإعلامي. فالارتجاج الفكري يبدأ عندما يطلب من الناس أن يتجاهلوا المنطق، وأن يصفقوا للتناقضات، وأن يعتبروا التساؤل خيانة، وعندما يصبح المطلوب من المواطن أن يعطل عقله حتى تنسجم الوقائع مع الرواية، فإن المشكلة لم تعد في قصة فرد، وإنما في منظومة خطاب تخشى الحقيقة أكثر مما تخشى الكذب.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست بين المغرب والجزائر، ولا ينبغي أن تكون بين شعبين تجمعهما روابط التاريخ والجغرافيا، وإنما بين من يحترم عقل المواطن ومن يستخف به، فالذكاء الحقيقي لا يكمن في اختراع القصص أو تضخيمها، بل في القدرة على إقناع الناس بالحقائق المدعومة بالأدلة، أما الاستخفاف بعقول الجماهير، فلن يصنع انتصارا سياسيا ولا إعلاميا، بل سيعمق أزمة الثقة ويجعل كل رواية لاحقة موضع شك، لأن احترام الإنسان يبدأ أولا باحترام ذكاءه.





















