اوسار أحمد/
رغم الخطاب السياسي والإعلامي القطري الذي يقدم الدوحة في موقع المواجهة السياسية مع إسرائيل، ولا سيما عبر قناة «الجزيرة»، تكشف معطيات وتقارير إسرائيلية عن وجه آخر للعلاقة بين الطرفين، اتسم خلال السنوات الماضية بوجود قنوات تعاون أمنية ودفاعية غير معلنة. فغياب العلاقات الدبلوماسية الرسمية لم يمنع وصول تقنيات ومعدات دفاعية إسرائيلية إلى قطر عبر ترتيبات غير مباشرة، في مفارقة تعكس الفارق بين الخطاب العلني والمصالح التي تتحرك خلف الكواليس. وقد كشفت صحيفة «هآرتس» في يونيو الماضي عن بيع أنظمة دفاع إسرائيلية لقطر، بينها نظام C-MUSIC المضاد للصواريخ، خلال الفترة الممتدة بين 2020 و2022.
وتأتي هذه المعطيات في وقت تتجه فيه إسرائيل إلى إنهاء هذا التعاون، بعدما أفادت القناة 12 الإسرائيلية بأن الحكومة الإسرائيلية قررت وقف جميع صادراتها الدفاعية إلى قطر.
وبحسب التقرير الذي أوردته القناة، فإن القرار لا يقتصر على وقف إبرام صفقات جديدة، بل يشمل أيضاً تنفيذ عقود سبق توقيعها، ما يعني عملياً تجميد التعاون الدفاعي بين الطرفين بصورة واسعة. وأكدت تقارير إسرائيلية أخرى مضمون الخبر، مشيرة إلى أن القرار يشمل الصادرات الدفاعية والصفقات المستقبلية وكذلك العقود القائمة.
ويأتي القرار في ظل تدهور واضح في النظرة الإسرائيلية إلى قطر، التي تعتبرها تل أبيب طرفاً يعمل ضد مصالحها، في وقت تؤدي فيه الدوحة أدواراً سياسية ووساطات مرتبطة بالحرب والملف الفلسطيني. ونقلت «تايمز أوف إسرائيل» عن تقرير القناة 12 أن إسرائيل باتت تنظر إلى قطر باعتبارها دولة «تعمل ضد إسرائيل».
وتكتسب الخطوة أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة التعاون الذي سبق أن تطور بعيداً عن العلاقات الدبلوماسية الرسمية. فإسرائيل وقطر لا تقيمان علاقات دبلوماسية، كما أن صادرات المعدات العسكرية الإسرائيلية إلى الدوحة لم تكن تتم بصورة مباشرة، وإنما عبر ترتيبات ووسائل غير مباشرة، من بينها التصدير عبر الولايات المتحدة، وفق تقارير إعلامية إسرائيلية.
وكان تحقيق نشرته «هآرتس» في يونيو الماضي قد سلط الضوء على جانب من هذا التعاون، بعدما أظهر أن أنظمة دفاع إسرائيلية وصلت إلى قطر والسعودية، بينها منظومات مرتبطة بحماية الطائرات من الصواريخ، إلى جانب تجهيزات عسكرية أخرى. وأشار التحقيق إلى حصول قطر على نظام C-MUSIC من شركة «إلبيت سيستمز»، وهو نظام مخصص للحماية من الصواريخ المحمولة على الكتف.
وتكشف هذه المعطيات أن العلاقة بين الدوحة وتل أبيب لم تكن محكومة بالكامل بالقطيعة السياسية المعلنة، إذ ظلت هناك مساحات للتعامل غير المباشر في الملفات الأمنية والتجارية. وقد سمحت طبيعة هذه القنوات بتمرير بعض المنتجات والتقنيات الإسرائيلية إلى السوق القطرية، رغم عدم وجود اعتراف دبلوماسي متبادل.
لكن المسار يبدو الآن أمام نقطة تحول. فوقف تنفيذ العقود القائمة، إذا استمر وفق ما أوردته التقارير الإسرائيلية، يعني أن القرار لا يستهدف الصفقات التي كان يمكن أن تعقد مستقبلاً فحسب، وإنما يطال التزامات تعاقدية سبق الاتفاق عليها.
كما أن القرار يحمل بعداً سياسياً يتجاوز قيمته التجارية، إذ يأتي في ظل توتر متصاعد بين إسرائيل وقطر بسبب الدور الذي تؤديه الدوحة في الوساطة المتعلقة بالحرب، وعلاقاتها مع حركة حماس، إضافة إلى استضافتها قيادات من الحركة لسنوات.
ومن الجانب القطري، يمكن أن يفرض توقف التعاون الدفاعي الإسرائيلي البحث عن بدائل أخرى لبعض التقنيات التي كانت تصل إلى الدوحة بصورة مباشرة أو غير مباشرة. غير أن قطر، التي تنفق مبالغ كبيرة على تحديث قواتها المسلحة، تعتمد أصلاً على شبكة واسعة من الموردين الدوليين، ما يقلل من إمكانية اعتبار القرار الإسرائيلي تهديداً شاملاً لقدراتها العسكرية.
أما بالنسبة إلى إسرائيل، فإن خسارة السوق القطرية تبدو محدودة مقارنة بحجم سوق الصناعات الدفاعية الإسرائيلية عالمياً، لكنها تحمل دلالة سياسية وأمنية أكبر من قيمتها المالية، خصوصاً أن تل أبيب كانت تسمح خلال السنوات الماضية باستمرار قنوات تصدير إلى دولة لا تقيم معها علاقات دبلوماسية.
ويعكس التطور الجديد مفارقة لافتة في العلاقة بين الطرفين: ففي الوقت الذي ظلت فيه قطر تقدم نفسها سياسياً وإعلامياً كطرف داعم للقضية الفلسطينية ومنتقد للسياسات الإسرائيلية، كانت هناك، وفق التقارير التي ظهرت خلال الأشهر الماضية، قنوات تعاون غير معلنة في المجال الدفاعي. وفي المقابل، تبدو إسرائيل الآن مستعدة للتخلي عن تلك القنوات، بعدما أصبحت تنظر إلى الدوحة باعتبارها طرفاً معادياً لمصالحها.
وبذلك، فإن قرار وقف الصادرات الدفاعية الإسرائيلية إلى قطر، وفق ما نقلته القناة 12، لا يمثل مجرد إلغاء لصفقات سلاح، بل يشكل تحولاً في علاقة اتسمت لسنوات بالتناقض بين القطيعة السياسية العلنية والتعاون غير المباشر خلف الكواليس. وتبقى الخطوة الأهم في المرحلة المقبلة هي معرفة ما إذا كان القرار سيظل محصوراً في المجال الدفاعي، أم أنه سيمتد إلى قنوات أخرى ظلت مفتوحة بين الدوحة وتل أبيب رغم غياب العلاقات الرسمية.





















