أعلن رئيس مركز «مصالحة» انطلاق الدورة الحادية والعشرين من البرنامج التأهيلي «مصالحة»، الموجه إلى النزلاء المدانين بموجب قانون الإرهاب، مؤكدا أن هذه الدورة تشكل محطة جديدة في مسار البرنامج الرامي إلى تصحيح الانحرافات الفكرية والسلوكية، وتعزيز فرص إعادة الإدماج في المجتمع بعد الإفراج.
وجاء الإعلان خلال الحفل الافتتاحي للدورة، بحضور رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، والكاتب العام للمندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، ومنسق مؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء، إلى جانب عدد من المسؤولين والخبراء، فضلا عن وفد بريطاني رفيع المستوى يترأسه MARTYN WARR، في سياق لقاء للعمل وتبادل الخبرات بين المملكة المغربية والمملكة المتحدة.
وأوضح رئيس المركز أن الدورة الحالية تعد النسخة التاسعة التي تنظم بإشراف «مركز مصالحة»، الذي أعلن عنه بموجب اتفاقية الشراكة الموقعة في 2 نونبر 2023، تنفيذا للتعليمات الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس.
وتتزامن الدورة الجديدة مع مرور عشر سنوات على انطلاق البرنامج، وهي الذكرى التي جرى الاحتفاء بها في 15 يوليوز 2026 بالسجن المحلي تامسنا، في محطة شكلت مناسبة لتقييم المكتسبات المحققة واستشراف مستقبل هذه المقاربة في مجال درء التطرف العنيف وإعادة التأهيل.
وكشف رئيس مركز «مصالحة» أن البرنامج نظم، منذ انطلاقه سنة 2017، ما مجموعه 20 دورة استفاد منها 456 نزيلا، فيما يشارك 24 نزيلا في الدورة الحادية والعشرين، ليرتفع بذلك إجمالي المستفيدين إلى 480 نزيلا.
وفي ما يتعلق بمقاربة النوع، أشار إلى استفادة 14 نزيلة من البرنامج، أفرج عنهن جميعا، معلنا أن المؤسسات السجنية أصبحت خالية من النساء المتابعات بموجب قانون الإرهاب، بعد الإفراج عن آخر سجينة بتاريخ 24 غشت 2026، عقب استفادتها من عفو ملكي بمناسبة ذكرى المولد النبوي، بعدما كانت قد شاركت في الدورة العشرين من برنامج «مصالحة».
وأكد رئيس المركز، في كلمته الموجهة إلى النزلاء المشاركين، أن الغاية الأساسية من البرنامج تتمثل في مساعدتهم على تجاوز عثرات الماضي وتصحيح الانحرافات الفكرية والسلوكية التي قادتهم إلى العقوبة السالبة للحرية، بما يتيح لهم تقويم مسارهم وبناء مستقبل أفضل.
وشدد على أن نجاح الاستفادة من البرنامج يظل مرتبطا بوجود رغبة حقيقية في التغيير وتحقيق المصالحة على المستويات النفسية والمجتمعية والدينية، إلى جانب الالتزام بمختلف الأنشطة المبرمجة، مشيرا إلى أن البرنامج يسعى إلى تمكين المستفيدين من الآليات والمهارات المعرفية والسلوكية الضرورية لتطوير قدراتهم الذاتية وتصحيح مساراتهم الحياتية.
ويرتكز البرنامج التأهيلي «مصالحة» على ثلاثة أبعاد أساسية، أولها «المصالحة مع الذات»، من خلال تحفيز التفكير الإيجابي وترسيخ إرادة التغيير وتطوير المهارات المعرفية والسلوكية، وثانيها «المصالحة مع النص الديني»، بالعودة إلى الفهم السليم والمقاصدي لتعاليم الدين الإسلامي، القائم على الوسطية والاعتدال والتسامح وقبول الاختلاف، في انسجام مع المرجعية الدينية للمملكة وثوابتها.
أما البعد الثالث، فيتمثل في «المصالحة مع المجتمع»، عبر تمكين المشاركين من الكفاءات الضرورية لاستثمار مؤهلاتهم وتطوير مهاراتهم العملية، بما يساعدهم على بناء مشاريع مستدامة تحقق الاستقلال المالي والعيش الكريم، وتعزز انخراطهم الإيجابي في المجتمع.
ويولي البرنامج، إلى جانب هذه المحاور، أهمية للتعريف بالضمانات الحقوقية التي يكفلها دستور المملكة، من خلال اطلاع المشاركين على منظومة الحقوق والحريات الأساسية وآليات حمايتها، وتوعيتهم بحقوقهم وواجباتهم وسبل الاندماج المسؤول والمنتج في النسيج الاجتماعي.
كما يتضمن البرنامج حصصا مخصصة للتشريعات الوطنية والمواثيق الدولية المرتبطة بمكافحة التطرف والإرهاب، بهدف تعميق وعي المستفيدين بالآثار السلبية لهذه الظواهر على الأفراد والمجتمع، والتعريف بالعواقب القانونية المترتبة على اعتناق الأفكار المتطرفة أو نشرها والترويج لها أو تحويلها إلى ممارسات يعاقب عليها القانون.
وأشار رئيس المركز إلى أن المشاركين سيخضعون لآلية تقييم مستمر ترصد مستوى تفاعلهم وجديتهم في مختلف أنشطة البرنامج، مؤكدا أنه سيتم اتخاذ الإجراءات اللازمة في حالة غياب التفاعل الإيجابي أو الإخلال بالشروط والالتزامات التي قام عليها قبول طلبات المشاركة، حفاظا على فعالية البرنامج وتحقيق أهدافه.
ويعتمد برنامج «مصالحة» مقاربة تشاركية تجمع بين الأبعاد الدينية والنفسية والحقوقية والاجتماعية، بمساهمة عدد من المؤسسات والفاعلين والخبراء، من بينهم المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، والرابطة المحمدية للعلماء، ومؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء، ووزارة العدل، ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ورئاسة النيابة العامة، والمجلس الأعلى للسلطة القضائية، والمندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان.
كما يشارك في تأطير محاور الدورة عدد من الخبراء والمتخصصين في مجالات حقوق الإنسان والاقتصاد وعلم النفس الإكلينيكي وتدبير الأزمات، في إطار تكامل الاختصاصات الرامي إلى الرفع من نجاعة البرنامج وتعزيز أثره التأهيلي.
واختتم رئيس مركز «مصالحة» كلمته بتوجيه الشكر إلى المندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج على رعايته المستمرة للبرنامج، وإلى مختلف الأساتذة والخبراء والشركاء المساهمين في إعداد وتنفيذ فقراته، مؤكدا أهمية تضافر الجهود لتحقيق الأهداف المرسومة للبرنامج وتعزيز مسارات التأهيل وإعادة الإدماج.




















