قبل أن نسأل عن قدرة الصحافة على إقناع المواطنين، ينبغي أن نسأل عمّن يملك أدوات تقييم هذه القدرة. فالحكم على مؤسسة صحافية، وعلى وزنها في المجتمع، يحتاج إلى معرفة بكيفية صناعة الخبر وتلقيه وانتقاله إلى النقاش العام. ويحتاج، قبل ذلك، إلى مسافة من المصالح المتنازعة في سوق الإشهار.
ذلك أن المنافس على حصة من السوق لا يصبح، بمجرد ارتفاع أرقامه، خبيراً في قياس أهلية منافسيه. ومن ينتظر نصيبه من الكعكة يصعب أن يكون المرجع الوحيد لتحديد من يستحق الجلوس إلى المائدة.
لقد تغيرت المقاولة الصحافية، وتغير معها شكل حضورها. أصبح اسم النطاق والاستضافة والموقع الإلكتروني جزءاً من واجهة تمتد إلى صفحات وحسابات على فيسبوك ويوتيوب وغيرهما. وقد يكون جمهور المؤسسة على هذه المنصات أوسع كثيراً من جمهور موقعها. وهذا تطور مفهوم في وسائل الوصول إلى الناس، لكنه يفرض تدقيقاً في طبيعة الأرقام التي نستعملها للحكم عليها.
فزيارات الموقع، وعدد المتابعين، ومشاهدات الفيديو، والوصول المدفوع، مؤشرات مختلفة. جمعها في رقم ضخم قد يصلح لعرض تجاري، لكنه لا يكفي لتقدير القيمة الصحافية أو قياس التأثير في الرأي العام.
والسؤال الذي يستحق الفحص هو: ماذا يوجد وراء هذه الواجهة الرقمية؟ هل توجد هيئة تحرير تنتج وتتحقق وتصحح وتتحمل المسؤولية؟ هل هناك استثمار في الصحافيين والتكوين والتحقيق؟ أم يقوم النشاط أساساً على فيديوهات مثيرة و استثارة التفاعل؟
هنا تظهر الحدود التي يجب بحثها بين العمل الصحافي ونشاط التأثير الفردي. فالموقع الإلكتروني وحده لا يصنع مؤسسة، كما أن بطاقة الصحافة لا تحول كل نشاط لصاحبها إلى ممارسة صحافية. المعيار يتصل بما يُنتج، وكيف يُنتج، وبأي قواعد، وتحت أية مسؤولية.
ثم تأتي المغالطة الأكبر: اعتبار المشاهدة اقتناعاً.
قد يشاهد المواطن مقطعاً لأنه يرفض صاحبه، أو لأن عنوانه استفزه، أو لأنه يبحث عن زلة فيه. وقد يتابعه بدافع الفضول ثم يغادره دون أن يتغير شيء في معرفته أو موقفه. يتحرك العداد في جميع هذه الحالات، بينما يبقى أثر المحتوى سؤالاً مفتوحاً.
وحتى التفاعل لا يحمل معنى واحداً. التعليق الغاضب، والسخرية، والمشاركة بقصد الانتقاد، كلها تمنح المحتوى حركة إضافية. ومن يقرأها باعتبارها تأييداً أو ثقة يكون قد أعطى الرقم معنى لم يثبته.
هناك فرق بين أن يعرفك الناس، وأن يصدقوك، وأن يرجعوا إليك لفهم ما يجري. ولكل مرتبة أدوات لقياسها. وقد تجتمع الشهرة وضعف الثقة في صفحة واحدة، مثلما قد تتمتع مؤسسة محدودة الجمهور بوزن معتبر في النقاش العمومي، لأن ما تنتجه يُقرأ ويُناقش ويُستند إليه.
ولو كانت كثافة الإقبال وحدها تمنح الأهلية للتأطير، لأصبح المحتوى الإباحي مرشحاً للقيام بوظائف التربية المدنية وإقناع المواطنين بالتسجيل في اللوائح الانتخابية! تكفي هذه المفارقة لتوضيح الخلل: اجتذاب الانتباه مهارة، وتحويله إلى معرفة وثقة ومسؤولية عمل آخر.
التأثير الصحافي يتشكل حين يستطيع تحقيق أن يضع قضية مسكوتاً عنها على طاولة النقاش. وحين يشرح تقرير مكتوب أو مصور قراراً معقداً، فيفهم المواطن علاقته بحياته. وحين يطرح حوار أسئلة كانت غائبة، أو يصحح ملف موثق اعتقاداً واسع الانتشار.
وقد يبدأ هذا الأثر بجمهور صغير، ثم ينتقل عبر النقاش وإعادة النشر والاستشهاد إلى دوائر أوسع. لذلك لا تُختزل قيمة العمل دائماً في عدد من ضغطوا على رابطه الأصلي، كما لا يُستدل على عمقه بطول قائمة متابعي ناشره.
لهذا تصبح الخبرة ضرورة.
تقييم المؤسسة الصحافية ومدى تأثيرها يحتاج إلى خبراء في الإعلام وقياس الجمهور وتحليل المحتوى والبحث الاجتماعي، يعملون بمنهج معلن ومؤشرات قابلة للفحص. يحتاج إلى من يميز بين الوصول والثقة، وبين الانتشار الواسع والأثر المتراكم، وبين الجمهور الحقيقي والظهور الذي اشترته ميزانية ترويج.
ويحتاج أيضاً إلى قراءة المؤسسة من الداخل: جودة إنتاجها، ونسبة عملها الأصلي، وقواعد التحقق والتصحيح، ووضوح الفصل بين الإعلان والتحرير، وظروف عمل صحافييها، واستمرارها في خدمة جمهورها.
أما أن يتولى المتنافسون على الإشهار تحديد قيمة بعضهم بعضاً، ثم تُمنح تقديراتهم صفة الحكم المهني، فتلك وصفة لتنازع المصالح. من حق كل مؤسسة أن تعرض أرقامها وتدافع عن عملها، لكن قرار التقييم يحتاج إلى جهة خبيرة لا تتوقف حصتها المالية على النتيجة التي ستعلنها.
وتزداد الحاجة إلى هذه المسافة حين يتعلق الأمر بالإشهار العمومي. فالمال هنا يقتضي قواعد واضحة ومعلنة، تسمح بمعرفة أسباب الاختيار وأسس توزيع الموارد، وتمنع تحويل معيار الجمهور إلى أداة لإقصاء منافس أو مكافأة قريب.
كما أن الصفحات ذات الملايين لا تمنح كل من يظهر عليها تأثيراً مماثلاً. فقد تكون ضرف تشديد تؤثر سلبا على من يؤدي للاعلان فيها !
الخطر أن تدفع طريقة توزيع الإشهار المؤسسات إلى إنتاج ما يرضي المؤشر الأسرع، فتتراجع كلفة التحقق أمام إغراء الإثارة، ويصبح العنوان المستفز أجدى اقتصادياً من التحقيق المكلف. عندها تكون السوق قد ساهمت في إضعاف الجودة التي تطالب الصحافة بها.
لهذا ينبغي أن يبدأ النقاش من قواعد التقييم، ومن أهلية القائمين عليه، ومن استقلالهم عن نتائجه المالية. فالصحافة تؤدي وظيفة تمس حق المجتمع في المعرفة، والحكم عليها يستوجب خبرة بقدر ما يستوجب نزاهة.
عدد المشاهدات يستحق أن يُقرأ. لكن وزن المؤسسة الصحافية يكمن فيما أضافته إلى فهم الناس، وما كشفته لهم، وما راكمته من ثقة تستمر بعد انطفاء الشاشة. وتقدير هذا الوزن مهمة خبراء؛ أما التنافس على الكعكة فله حساب آخر.




















