زعيم «فرنسا الأبية» يتهم الحكومة بتأجيج المواجهات مع المحتجين، ويدعو إلى تجميد الأسعار وإلغاء «باركورسيب» وتعويض التجار المتضررين، محذرا من أن تجاهل المطالب الاجتماعية قد يدفع البلاد نحو انفجار يصعب احتواؤه.
في مقابلة اتسمت بحدة المواقف على قناة «LCI» الفرنسية، وجه جان لوك ميلونشون، زعيم حركة «فرنسا الأبية»، انتقادات لاذعة إلى الرئيس إيمانويل ماكرون وحكومته، محملا إياهما المسؤولية السياسية عن تصاعد الاحتجاجات الاجتماعية وأعمال العنف التي شهدتها فرنسا، على خلفية الغلاء وتدهور الأوضاع المعيشية وتنامي غضب الشباب والطلاب.
واعتبر ميلونشون أن ما يجري في الشارع الفرنسي يتجاوز مجرد موجة احتجاجية عابرة، ليعكس أزمة سياسية واجتماعية عميقة تراكمت على مدى سنوات، محذرا من أن استمرار السلطة في تجاهل المطالب الشعبية والاعتماد على المقاربة الأمنية قد يدفع البلاد إلى مرحلة أكثر خطورة.
اتهامات للحكومة بتعمد ترك الأزمة تتفاقم
ورفض ميلونشون، خلال المقابلة، الخطاب الحكومي الذي يضع الفرنسيين أمام الاختيار بين قوات الأمن والمشاركين في أعمال التخريب، معتبرا أن هذا التقسيم يحجب الأسباب الحقيقية للأزمة.
وقال إن القضية ليست مواجهة بين الشرطة والمحتجين، بل أزمة تعيشها فئات واسعة من المجتمع الفرنسي، وفي مقدمتها الشباب الذين يواجهون أوضاعا اقتصادية ونفسية واجتماعية متدهورة.
واتهم الحكومة باعتماد ما وصفه بسياسة «ترك الأزمة تتعفن» قبل اللجوء إلى القوة، مشيرا إلى أن هذه المقاربة نفسها استخدمت، بحسب رأيه، خلال احتجاجات «السترات الصفراء» وأزمات اجتماعية سابقة.
وذهب إلى حد تحميل السلطة التنفيذية المسؤولية عن سوء إدارة المظاهرات، معتبرا أن المواجهات التي اندلعت كان بالإمكان تفاديها لو اتخذت التدابير المناسبة في الوقت المناسب.
وانتقد بشكل خاص أداء رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو والمسؤولين عن الأجهزة الأمنية، متهما إياهم بسوء تقدير حجم التعبئة الشعبية وعدم توفير الظروف الضرورية لتنظيم الاحتجاجات بصورة سلمية.
العنف والتخريب.. إدانة مشروطة برفض العنف الأمني
وفي مواجهة أسئلة متكررة بشأن أعمال النهب وتخريب المحال التجارية والاعتداء على المباني العامة، أكد ميلونشون رفضه لهذه الممارسات، لكنه شدد على ضرورة التمييز بين المتظاهرين السلميين والأشخاص الذين يستغلون الاحتجاجات لارتكاب أعمال عنف.
واعتبر أن الاعتداء على البلديات والمؤسسات العامة يمثل اعتداء على رموز الملكية الجماعية، واصفا إحراق مبنى بلدي بأنه عمل إجرامي، لأن البلدية، على حد تعبيره، «بيت الشعب» الذي ينتمي إلى الجميع.
غير أنه رفض حصر النقاش في إدانة المحتجين، مطالبا في المقابل بمحاسبة عناصر الشرطة المتورطين، وفق اتهاماته، في استخدام القوة المفرطة والتسبب في إصابات خطيرة بين الشباب.
وانتقد استخدام القنابل الخاصة بتفريق المتظاهرين، معتبرا أنها تشكل خطرا على السلامة الجسدية، ودعا إلى مراجعة أساليب حفظ النظام العام.
كما اتهم المسؤولين الأمنيين بسوء إدارة مسارات المظاهرات، مشيرا إلى أن التأخر في تحديد نقاط التجمع والانطلاق، واستخدام الغاز المسيل للدموع في أماكن الاحتشاد، ساهما، بحسب روايته، في تشتيت المتظاهرين وتحويل الاحتجاجات إلى مواجهات متفرقة.
ورغم حدة انتقاداته، حرص ميلونشون على التأكيد أنه لا يتبنى العنف وسيلة للعمل السياسي، مشددا على أن مشروعه يقوم على الانتخابات والحوار والتصويت، وليس على المواجهة المباشرة.
الغلاء وفقر الطلاب في قلب الأزمة
وشدد زعيم «فرنسا الأبية» على أن التركيز الإعلامي والسياسي على مشاهد العنف يهدد بتغييب الأسباب الاجتماعية التي دفعت مئات الآلاف إلى الاحتجاج.
وقال إن ارتفاع تكاليف المعيشة أصبح عبئا لا يحتمل بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الفرنسيين، مستحضرا أوضاع الأسر التي تواجه صعوبات في توفير الغذاء أو تحمل تكاليف الوقود والتنقل.
كما سلط الضوء على الظروف المعيشية للطلاب، معتبرا أن اضطرار شباب الجامعات إلى الاصطفاف للحصول على وجبات منخفضة التكلفة، أو اللجوء إلى المساعدات الغذائية، يعكس حجم التدهور الاجتماعي.
وأشار إلى أن الأزمة لا تقتصر على القدرة الشرائية، بل تشمل أيضا تدهور ظروف الدراسة والبنية التحتية التعليمية، إلى جانب شعور الشباب بانسداد آفاق المستقبل.
وفي هذا السياق، دعا الحكومة إلى تخصيص عشرة مليارات يورو للاستجابة لمطالب الشباب والطلاب، معتبرا أن الاستثمار في الأجيال الجديدة ينبغي أن يتقدم على الاعتبارات المالية الضيقة.
وردا على إثارة مسألة الدين العام وتكاليف الاقتراض، حمّل ميلونشون ماكرون مسؤولية جانب أساسي من الوضع المالي القائم، رافضا استخدام المديونية مبررا لعدم الاستجابة للمطالب الاجتماعية.
ثلاثة مطالب عاجلة لماكرون
وحدد ميلونشون ثلاثة إجراءات اعتبرها ضرورية لاحتواء الأزمة وإعادة الهدوء إلى الشارع الفرنسي.
يتمثل المطلب الأول في تجميد الأسعار لمواجهة الغلاء وحماية القدرة الشرائية، فيما يتعلق الثاني بإلغاء منصة «باركورسيب» (Parcoursup)، المعتمدة في توجيه الطلاب نحو التعليم العالي، إلى جانب توفير موارد مالية إضافية لدعم الشباب وتحسين ظروفهم الدراسية.
أما المطلب الثالث فيتعلق بالتعويض الفوري للتجار وأصحاب المحال الذين تعرضت ممتلكاتهم للنهب والتخريب خلال الاحتجاجات.
وشدد على أن الدولة تتحمل مسؤولية ضمان الأمن العام، وأن المتضررين من أعمال العنف لا ينبغي أن يتركوا وحدهم لمواجهة الخسائر المالية.
واستحضر في هذا السياق تجربة ماي 1968، حين أفضت المفاوضات الاجتماعية إلى تنازلات مهمة، من بينها زيادات في الأجور وتعزيز الحقوق النقابية، معتبرا أن الاستجابة السياسية للمطالب أكثر فاعلية من التعويل على الحلول الأمنية.
رفض حالة الطوارئ وحظر التجول
وأبدى ميلونشون معارضته لاحتمال فرض حظر للتجول أو إعلان حالة الطوارئ لاحتواء الاضطرابات.
واعتبر أن مثل هذه الإجراءات لن تعالج جذور الأزمة، بل قد تفتح الباب أمام مواجهات جديدة بين المحتجين وقوات الأمن، خصوصا إذا تحولت مسألة احترام حظر التجول إلى اختبار قوة بين السلطة والشارع.
وأكد أن القرارات الأمنية لا تكون فعالة إلا إذا كانت قابلة للتطبيق، محذرا من أن فرض تدابير يصعب تنفيذها قد يؤدي إلى تعميق الفوضى بدلا من احتوائها.
وبالنسبة إليه، فإن استعادة الهدوء تبدأ بمعالجة أسباب الغضب الاجتماعي، وليس بمضاعفة القيود المفروضة على المواطنين.
من الأزمة الاجتماعية إلى أزمة شرعية سياسية
ولم يكتف ميلونشون بانتقاد طريقة التعامل مع الاحتجاجات، بل وسّع هجومه ليشمل شرعية النظام السياسي القائم.
واعتبر أن فرنسا تعيش «أزمة نظام»، نتيجة تراكم القرارات السياسية التي يرى أنها أضعفت الثقة في المؤسسات وأفرغت الممارسة الديمقراطية من مضمونها.
واتهم ماكرون بعدم احترام نتائج الانتخابات التشريعية المبكرة، معتبرا أن طريقة إدارة السلطة بعد تلك الانتخابات ساهمت في تعميق الشعور بانعدام الشرعية السياسية.
كما استحضر الاستفتاء الفرنسي لعام 2005 بشأن الدستور الأوروبي، وما تلاه من تطورات مؤسساتية، بوصفه مثالا على اتساع الهوة بين خيارات الناخبين وقرارات النخب الحاكمة.
وشدد على أن الديمقراطية لا تقوم فقط على الفوز بالانتخابات، وإنما أيضا على قبول الهزيمة واحترام إرادة الناخبين.
وفي هذا السياق، اعتبر أن أزمة الثقة لم تعد تقتصر على الحكومة أو الرئاسة، بل امتدت إلى علاقة المواطنين بمختلف أشكال السلطة، من المؤسسات السياسية إلى الأجهزة الأمنية.
ميلونشون: أخشى أن يفقد الشباب ثقتهم في الديمقراطية
ورغم نبرته الهجومية، أقر ميلونشون بأنه يعيش مشاعر متناقضة بين الأمل والقلق إزاء التطورات الجارية.
فمن جهة، عبّر عن تفاؤله بعودة الشباب إلى الانخراط في العمل الجماعي والدفاع عن القضايا الاجتماعية والبيئية والتضامنية، معتبرا أن هذه التعبئة تعكس تحوّلا في أولويات جيل جديد لم يعد يختزل النجاح في جمع الثروة.
ومن جهة أخرى، أعرب عن خشيته من أن يؤدي استمرار تجاهل المطالب الشعبية إلى إقناع الشباب بأن الوسائل القانونية والانتخابية والديمقراطية لم تعد قادرة على إحداث التغيير.
وحذّر من أن فقدان الثقة في المؤسسات قد تكون له عواقب خطيرة، لأن تراكم الغضب دون وجود قنوات سياسية قادرة على استيعابه يمكن أن يدفع المجتمع نحو مزيد من التصعيد.
وأكد في هذا الإطار تمسكه بالعمل الديمقراطي، مشيرا إلى أن التغيير السياسي ينبغي أن يمر عبر الانتخابات والحوار، لا عبر العنف.
تحذير أخير من انفجار يصعب احتواؤه
وفي ختام المقابلة، وجّه ميلونشون رسالة مباشرة إلى الرئيس الفرنسي، داعيا إياه إلى التخلي عن سياسة الانتظار وتقديم استجابة فورية للمطالب الاجتماعية.
ورأى أن الأزمة الحالية لا يمكن فصلها عن حصيلة سنوات من السياسات الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية التي ينسب مسؤوليتها إلى ماكرون وفريقه.
واعتبر أن الخروج من المأزق يتطلب استعادة الثقة بين السلطة والمجتمع، والاعتراف بشرعية المطالب الشعبية، وفتح المجال أمام تسوية سياسية واجتماعية تحول دون استمرار التصعيد.
وتكشف تصريحات ميلونشون عن محاولة لنقل النقاش من مسؤولية الأفراد عن أعمال العنف إلى مسؤولية السلطة عن إدارة الأزمة وأسبابها الاجتماعية، في مواجهة خطاب حكومي يحمّله مسؤولية سياسية عن تأجيج التوترات.
وبين اتهامات المعارضة وتحذيرات الحكومة، تبرز المسألة الأكثر إلحاحا في المشهد الفرنسي: هل تتمكن السلطة من احتواء الغضب عبر تنازلات اجتماعية وحوار سياسي، أم أن استمرار المواجهة سيدفع البلاد نحو أزمة أعمق تتجاوز الشارع لتطال شرعية المؤسسات نفسها؟



















