نجيبة جلال
في السياسة، لا تُقاس القوة بما يحمله المسؤول من ألقاب، وإنما بما يستطيع أن يحسمه من قرارات. وقد تجلس رئاسة الحكومة في صدر الطاولة، بينما تستقر مفاتيح الحركة في يد الجالس إلى جوارها. ومن هنا يبدأ السؤال الذي سيلازم حكومة فاطمة الزهراء المنصوري: إذا كان فوزي لقجع يمسك بالاقتصاد والمالية والميزانية، وتُضاف إليها النجاعة العمومية، فما المساحة التي ستصنع فيها رئيسة الحكومة قيادتها الفعلية؟
هذا سؤال سلطة قبل أن يكون سؤال اختصاصات. فالوزراء يستطيعون إعلان المشاريع، لكن الإعلان لن يفتح ورشاً، والخطاب لن يبني مستشفى، والتعهد لن يمول مدرسة. فبين الوعد والإنجاز تقف الميزانية؛ لتصبح موافقة فوزي لقجع واحدة من أهم الأشياء التي يتقرر فيها مصير السياسة الحكومية.
من يملك أن يقول للمشروع «ليس الآن»، يملك التأثير في موعده، وفي حجمه، وأحياناً في بقائه.
ويزداد هذا الثقل مع غياب وزير منتدب مكلف بالميزانية إلى جانب لقجع. فبجعل المالية تحت قيادة واحدة، يصبح التفاوض حول الموارد مركزا. ثم إن إضافة «النجاعة العمومية»، تفتح، سياسياً، باباً أوسع: الانتقال من سؤال «كم تحتاج؟» إلى سؤال «ماذا فعلت بما حصلت عليه؟»،
وهكذا سيجد الوزير القطاعي نفسه أمام لقجع مرتين: مرة حين يطلب المال، ومرة حين يُطالب بحصيلة إنفاقه. وفي المسافة بين الطلب والحصيلة، تتشكل علاقة قوة لا يكفي التضامن الحكومي لإخفاء حساسيتها.
هذه هي معضلة المنصوري.
فرئيسة الحكومة التي تريد قيادة فريقها تحتاج إلى أكثر من سلطة عقد الاجتماعات وإعلان التوافقات. تحتاج إلى القدرة على مناقشة الأرقام، ومراجعة مبررات الرفض، وفرض ترتيب للأولويات تتحمل مسؤوليته أمام المواطنين. فإذا اكتفت بعرض مطالب الوزراء على وزارة المالية، ثم عادت إليهم بأجوبتها، فإنها تخاطر بأن تتحول من صاحبة تحكيم إلى وسيطة بين أصحاب المشاريع وصاحب التمويل.
وأخطر ما قد يواجه رئيسة الحكومة أن تصبح صاحبة الوعود أمام الرأي العام، بينما يكون وزير آخر صاحب الكلمة الحاسمة في إمكان تنفيذها.
لا شيء في هذا يعني أن لقجع أصبح رئيساً فعلياً للحكومة؛ لكنه يفسر كيف يمكن أن ينشأ هذا الانطباع، وكيف قد يتحول، مع توالي التحكيمات، إلى ميزان قوة داخلها. فكلما عجز وزير عن تمرير مشروعه إلا عبر لقجع، وكلما انتهى خلاف حكومي عند حدود ما تقبله المالية، سيتقوى موقع الرجل باعتباره مركز القرار الذي تتجه إليه الأنظار.
ولن يكون الامتحان في أول اجتماع يطغى عليه الانسجام، وإنما عند أول خلاف ثقيل: مشروع تعتبره المنصوري أولوية سياسية، ويراه لقجع عبئاً مالياً؛ تعهد تريد الوفاء به، ويطلب هو تأجيله؛ قطاع تطالبه بالتوسع، وتدعوه المالية إلى تقليص طموحه. عندها فقط سيتضح من يحدد الاتجاه، ومن يضبط السرعة، ومن يملك قرار التوقف.
ولقجع، بدوره، لا يستطيع أن يحمل نفوذاً بهذا الحجم من دون مسؤولية تناسبه. فالنجاعة تبدأ أيضاً من مساءلة القرار المالي: لماذا مُوّل هذا المشروع؟ ولماذا أُجّل ذاك؟ وهل كان الاقتصاد في النفقة مكسباً للدولة، أم كلفة مؤجلة على المجتمع؟ إن إخضاع الوزراء لمنطق النتائج يقتضي إخضاع اختيارات التمويل للمنطق نفسه.
قد يكون وجود وزير مالية قوي سنداً لرئيسة الحكومة، إذا امتلكت مشروعاً واضحاً وقدرة على التحكيم. لكنه قد يكشف ضعف قيادتها إذا تركت للأرقام أن تصنع الخيارات، ثم اكتفت بإلباسها خطاباً سياسياً.
ولهذا، فإن ما ينبغي أن يقلق المنصوري هو أن تتراكم القرارات حتى يصبح الوزراء مقتنعين بأن طريق الحسم يمر عبر مكتب لقجع، ويصبح المواطنون مقتنعين بأن رئيسة الحكومة تعلن ما يقرره غيرها.
عندئذ لن يعود السؤال: ما أقوى وزارة في الحكومة؟ بل: أين توجد رئاسة الحكومة فعلاً؟



















