نجيبة جلال /
كي تخرج نجوى ككوس من دوامة التواصل الفارغ الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، وكي تتجاوز سياسياً زلة «السميك»، فإن الطريق الأقصر يمر عبر عمل تلمس الأسر أثره في حياتها ومصروفها.
الوزيرة، يا نجوى، لا تحتاج إلى خرجة جديدة تشرح فيها ما قصدته، بقدر ما تحتاج إلى ورش تثبت فيه ما تستطيع إنجازه.
وأمام وزارة الأسرة ملف يستحق أن يكون في صلب عملها، خصوصاً في سياق حكومة ترفع شعار التنمية، وأزمة تضغط على ميزانيات البيوت: تغيير عادات الاستهلاك التي تجعل جزءاً من أموال المغاربة ينتهي في حاويات النفايات.
الأرقام ثقيلة. فبحسب تقديرات برنامج الأمم المتحدة للبيئة، المنشورة في تقرير مؤشر هدر الأغذية لسنة 2024، بلغت النفايات الغذائية لدى الأسر المغربية نحو 4,2 ملايين طن سنة 2022، بمعدل 113 كيلوغراماً للفرد سنوياً. وهي معطيات استند إليها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في تناوله للظاهرة. وللدقة، تشمل هذه التقديرات النفايات الغذائية المنزلية، ولا تعني أن كل هذه الكمية كانت طعاماً صالحاً للأكل. لكنها تضع أمامنا حجماً يستحق التدخل لتقليص الجزء القابل للتجنب منه.
خلف هذه الأرقام مشتريات تجاوزت الحاجة، وخضر فسدت قبل استعمالها، وخبز تراكم، وأطباق أُعدت بكميات أكبر مما تستطيع الأسرة استهلاكه. وخلفها أيضاً مال دُفع، وماء استُعمل في الإنتاج، وجهد بُذل في النقل والبيع والتحضير، لينتهي كل ذلك في القمامة.
هذا ورش تستطيع وزارة الأسرة أن تشتغل عليه. أن تساعد الناس على حماية جزء من قدرتهم الشرائية، من خلال حملات عملية لتغيير العادات: كيف نشتري؟ كيف نحفظ الطعام؟ كيف نقدّر كميات الطبخ؟ وكيف نستفيد من البقايا عندما تسمح شروط السلامة بذلك؟
ولا يعني هذا تحميل الأسر مسؤولية غلاء المعيشة، أو مطالبتها بحل أزمة الأسعار داخل مطابخها. للحكومة مسؤولياتها في الدخل والأسواق والحماية الاجتماعية، ولا تسقط عنها لأن مواطناً اشترى خبزاً أكثر مما يحتاج. لكن تدبير المصروف مجال آخر للعمل، تستطيع الوزارة أن تقدم فيه خدمة نافعة، خصوصاً للأسر التي تحسب نفقاتها بالدرهم.
المطلوب حملات تتحدث بلغة المغاربة، وتدخل إلى تفاصيل يومهم، وتقدم حلولاً تناسب إمكاناتهم. حملات مستمرة في التلفزيون والإذاعة والمنصات والمدارس ومراكز القرب، تخاطب الآباء والأمهات والأبناء، لأن احترام الغذاء وتدبير الاستهلاك مسؤولية الأسرة كلها.
وتحتاج هذه المبادرة إلى شجاعة في مناقشة عادات نعيد إنتاجها دون حساب، ومنها ربط الكرم بكثرة الأطباق، وحسن الضيافة بما يفيض عن حاجة الضيوف. يمكن للمائدة أن تكون كريمة دون أن تكون مكلفة إلى حد الهدر، ويمكن للأسرة أن تستقبل أحباءها جيداً دون أن تقضي اليوم التالي في التخلص مما بقي.
مثل هذا الورش يمنح وزارة الأسرة معنى واضحاً في الحياة اليومية. ولكي ينجح، على نجوى كوكوس، وعلى غيرها من المسؤولين، الخروج من الدائرة الضيقة التي تختزل السياسة في حساب الأصوات، واسترضاء المقربين، ومجاملة أصدقاء الأمس. فالمواطن الذي ينتظر خدمة عمومية لا ينبغي أن يظل خارج الصورة، بينما يحتلها المحيط الحزبي والشخصي للمسؤول.
وزاراتنا مطالبة بالعمل لصالح البلاد والعباد، وهذا يقتضي برامج لها أهداف ووسائل ونتائج. تستطيع الوزارة، مثلاً، أن تبدأ بتجارب ميدانية مع أسر متطوعة، وتقيس ما ترميه قبل المواكبة وبعدها، وما وفرته من مصروف، ثم توسع التجربة بناء على ما تحقق. عندها ستكون للحصيلة أرقام تهم الناس، وسيصبح للتواصل مضمون يستحق أن يُسمع.
أما أن تظل السياسة محصورة في الصور والزيارات والتصريحات، ثم يُطلب من المواطنين اعتبار الظهور المتكرر إنجازاً، فذلك استهلاك للوقت والثقة. الأسر لا تحتاج إلى مسؤول حاضر كل يوم على الشاشة، بقدر حاجتها إلى أثر حاضر في حياتها.
ولهذا، لا يهم قبل هذا الورش ولا بعده أن ترقص نجوى. بل قد ترقص ونطبل لها إذا كسبت الرهان، وساعدت الأسر على تغيير عادات تستنزف مواردها. فمن حق الناس أن يفرحوا، ومن حق الوزيرة أن تفرح بإنجازها. فلتمنحنا فقط سبباً للتصفيق.



















