دعا النائب سمير شوقي الحكومة إلى تحويل قانون المالية من وثيقة محاسباتية إلى “وثيقة تعاقد حقيقية” بينها وبين البرلمان والمواطنين، جاء ذلك في مداخلته أمس الأربعاء 28 أكتوبر خلال المناقشة العامة لمشروع قانون المالية برسم سنة 2027 بلجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، بحضور وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية.
اعتبر النائب أن مشروع قانون المالية ينبغي أن يُقرأ من خلال ثلاثة أسئلة: هل يشجع الإنتاج أم يكتفي بتحفيز الاستهلاك؟ وهل يخلق مناصب شغل دائمة أم يوسع الإنفاق الظرفي؟ وهل يوزع ثمار النمو بعدالة أم يعيد إنتاج الامتيازات نفسها؟
وأوضح أن أحدا لا يعارض تحسين دخل الأسر أو تخفيف الضريبة عن الأجراء أو رفع بعض المعاشات، لكنه رأى أن تحسين القدرة الشرائية عبر التحويلات والإعفاءات لا يكفي إذا عجز الاقتصاد عن توفير فرص شغل كافية، وظلت الأسعار ترتفع بفعل اختلالات الأسواق، واستمر ضعف تنافسية المقاولات الصغرى والمتوسطة. وطالب بسياسة اقتصادية “تنتج الدخل قبل أن تعيد توزيعه، وتخلق الشغل قبل أن تدبر البطالة”.
وعلى مستوى التمويل، شدد شوقي على أن الحلول التي اعتمدت لسنوات في إطار شراكات مع القطاع البنكي لدعم المقاولات الصغرى والمتوسطة لم تكن ناجعة، واقترح إحداث بنك استثماري وطني عمومي، معتبرا أنه حل بنيوي “للدولة كدولة” وليس ظرفيا، ولا يمكن تحقيق أهدافه في ولاية حكومية واحدة، ويستحق أن يُفكَّر فيه بجدية.
وتوقف النائب عند الأرقام الواردة في العرض الحكومي، وأبرزها:
- ارتفاع المداخيل الجبائية من 376 مليار درهم إلى 437 مليار درهم سنة 2027، أي بزيادة 61 مليار درهم (16%).
- اعتمادات الأداء المفتوحة لنفقات الاستثمار: 138 مليار درهم مقابل 136 مليارا.
- ارتفاع فوائد الدين من 44 إلى 45 مليار درهم.
وتساءل كيف يمكن للمداخيل الجبائية أن ترتفع بهذه الوتيرة بينما يظل الاستثمار المبرمج محدودا، وأقرّ بأن الاستثمار العمومي لا يُختزل في بند واحد، إذ يشمل المؤسسات والمقاولات العمومية والجماعات الترابية والحسابات الخصوصية، لكنه طالب بجدول موحد قابل للمقارنة يبين الاستثمار الإجمالي الحقيقي وما نُفِّذ منه، دون ازدواج في احتساب الاعتمادات والتحويلات.
وأكد أن السؤال السياسي يظل قائما: أين سيذهب المجهود الجبائي الإضافي؟ ومن سيتحمل الزيادة الصافية؟ هل هي أرباح الشركات الكبرى، أم توسيع الوعاء الضريبي، أم الضريبة على القيمة المضافة التي يتحمل المستهلك جزءا كبيرا منها، أم توقعات متفائلة للنشاط الاقتصادي؟ وقال إن المهم ليس “كم ستجني الدولة فقط، بل ممن ستجني وكيف ستعيد توزيع الجبايات”، كما طلب معرفة نسبة النفقات المنتجة للثروة مقابل الالتزامات الجارية التي يصعب تقليصها.
في ملف التشغيل، ذكّر النائب بتعهد البرنامج الحكومي بإحداث قرابة مليون منصب شغل خلال الولاية، وخفض البطالة إلى حدود 7% سنة 2031، مع رفع نشاط النساء، ورأى أن هذه الأرقام قابلة للمساءلة، وهو أمر إيجابي، لكنه تساءل عن عدد المناصب الصافية التي ستُحدث فعليا سنة 2027.
وتوقف عند تخصيص 6 مليارات درهم لإدماج الشباب دون أن يقابلها في جدول الالتزامات عدد محدد للمناصب، متسائلا: هل ستُحدث هذه الاعتمادات 50 ألف منصب أم 100 ألف أو أكثر؟ ودعا إلى التمييز بين المستفيد من التكوين والمواكبة والتدريب المؤقت، والعامل الذي حصل فعلا على منصب دائم مصرح به لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، معتبرا أن الخلط بين هذه الفئات كان من أسباب تضخيم حصيلة البرامج العمومية سابقا.
وأشار إلى أن 360 ألف منصب من المليون المعلن مرتبطة بتنظيم كأس العالم والأنشطة المواكبة، متسائلا عما إذا كانت مناصب دائمة أم مؤقتة، وهل تقتصر على فترة الأشغال والبناء أم تمتد إلى أنشطة اقتصادية تستمر بعد 2030. وتساءل أيضا عما إذا كان العامل الذي يشتغل ستة أشهر في ورش مرتبط بالمونديال سيحتسب كمنصب صناعي دائم، وعن خطر احتساب المنصب نفسه في أكثر من برنامج أو قطاع.
وطالب الحكومة بلوحة قيادة سنوية تبدأ من 2027، تحدد لكل قطاع عدد المناصب الصافية المستهدفة وطبيعتها وكلفتها والجهة المسؤولة عنها، مع نشر المعطيات دوريا وليس في نهاية الولاية فقط، لأن “الوعد الذي لا يمكن تتبعه سنة بعد سنة يصبح صعب المحاسبة”.
وفي سياق حديثه عن كأس العالم، دعا النائب إلى إبقاء النقاش في اللجنة ذا طابع ميزانياتي يخدم المصلحة العامة، وتجنب تصفية الحسابات الخاصة. وأضاف أن القضاء قال كلمته في بعض الملفات، وأن من يملك ملفات فعليه اللجوء إلى القضاء.
وصف شوقي ملف الإعفاءات والامتيازات الضريبية والجمركية بأنه من صميم العدالة الجبائية ومحاربة الريع، فالتنازل عن موارد لفائدة فئات وأنشطة معينة قد يكون مبررا إذا حقق منفعة عامة واضحة، كتشجيع الاستثمار المنتج أو خفض الأسعار أو خلق الشغل، لكنه يتحول إلى امتياز غير عادل إذا غابت الشروط والرقابة والتقييم، وأكد أنه لا يريد تكرار “التجربة السابقة بكل فضائحها”.
وبخصوص رفع ميزانية الصحة إلى 45 مليار درهم والتعليم إلى 121 مليار درهم، قال إنه لا يقلل من أهمية هذه المبالغ، لكنه طالب بنتائج ملموسة. ففي الصحة سأل عن عدد الأطباء والممرضين والتقنيين الذين سيُوظفون، وعدد المؤسسات الصحية الجاهزة لاستقبال المرضى، ومدى انخفاض آجال المواعيد والفحوصات والعمليات الجراحية، وفي التعليم سأل كيف ستُترجم الاعتمادات إلى تحسين التعلمات الأساسية، والحد من الهدر المدرسي، وتقليص الاكتظاظ، وتأهيل المؤسسات، وتوفير توجيه وتكوين ملائمين لسوق الشغل.
وفيما يتعلق بالتوازنات الماكرو-اقتصادية، أشار إلى أن الحكومة تستهدف عجزا في حدود 3% من الناتج الداخلي الخام، وتتوقع تراجع مديونية الخزينة من 67.5% إلى 66.9%، واعتبرها أهدافا مهمة للحفاظ على الاستقرار المالي، لكنه حذر من أن يتحول هذا الاستقرار إلى غاية منفصلة عن التنمية، إذ يمكن أن تتحسن بعض المؤشرات المالية بينما تستمر البطالة وتضعف الخدمات العمومية وتتفاقم الفوارق الاجتماعية، ونبّه إلى أن تراجع نسبة الدين إلى الناتج لا يعني بالضرورة انخفاض المبلغ الاسمي.
كما سأل الحكومة عن الإجراءات التشريعية والتنظيمية الجديدة التي ستقدمها السنة المقبلة لترجمة شعارات محاربة الريع والاحتكار وتضارب المصالح إلى قرارات قابلة للمحاسبة.
وختم النائب مداخلته بالتأكيد على أن ما يطلبه “ليس مستحيلا”، وهو أن تصبح الموازنة العمومية وثيقة تعاقد تحدد الأموال التي ستُنفق، والنتائج التي ستتحقق، والآجال التي ستُحترم، والمؤشرات التي ستُنشر، والمسؤوليات التي ستُتحمل. وقال: “لا نريد ميزانية للوعود بل ميزانية للنتائج، لأن المال العام أمانة، ولأن المغاربة لا ينتظرون منا وصف النوايا وإنما مراقبة النتائج”.


















