حين تصبح أربعة أيام كافية لإدخال قطاع بأكمله في القلق، فإن الأزمة أقدم من الخبر الذي أعلنها. وحين تقول مجموعات إعلامية كبرى إنها لا تستطيع تحمل شهر واحد دون دعم الأجور، فإن السؤال يتجاوز موعد التحويل المالي إلى حقيقة البناء الذي أُنفقت عليه الأموال طوال سنوات: ماذا بنينا؟ مقاولات قادرة على الاستمرار، أم مؤسسات يتوقف نبضها بمجرد تأخر المال العمومي؟
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يتصدر النقاش حول ما يُتداول بشأن وقف دعم أجور الصحفيين. أما اختزال القضية في المطالبة بصرف حصة جديدة، فإنه يؤجل لحظة الحساب، ويعيد إنتاج الأزمة بالشروط نفسها.
لقد ارتبط دعم الأجور بظرف استثنائي فرضته جائحة كورونا، حين كان التدخل لإنقاذ مناصب الشغل ضرورة مفهومة. لكن الاستثناء الذي يستمر سنوات يصبح اختياراً في تدبير القطاع، ويصبح أصحابه مطالبين بالدفاع عن نتائجه، لا بالاكتفاء بتذكيرنا بظروف ولادته.
فما الذي حققه هذا النموذج؟
إذا كانت المقاولة، بعد سنوات من الدعم، عاجزة عن أداء أجور شهر واحد من مواردها، فمن حقنا أن نسأل عن نجاعة الأموال التي تلقتها. وإذا كانت مجموعات تقدم نفسها باعتبارها مؤسسات كبرى تقف عند الحافة نفسها التي تقف عندها المقاولات الهشة، فأين أثر الدعم في بناء قدرتها الاقتصادية؟ وأين الاحتياطات؟ وأين الاستثمار؟ وأين مسؤولية التدبير؟
لا يكفي أن نعرف كم صرفت الدولة. ينبغي أن نعرف ماذا تحقق بما صرفته.
لقد طالبنا، مراراً، بالانتقال من دعم الأجور إلى دعم قطاع الصحافة وفق سياسة عمومية واضحة: أهداف معلنة، والتزامات محددة، ومعايير عادلة، وتقييم دوري للنتائج. دعم يساعد المقاولة على تطوير مواردها، وتحسين إنتاجها، وتكوين صحفييها، وضمان حقوق العاملين فيها.
أما أن يصبح المال العمومي شرطاً دائماً لأداء الأجور، فذلك يعني أن آلية الإنقاذ تحولت إلى طريقة للتسيير، وأن المقاولة اعتادت أن تنقل جزءاً من مسؤوليتها إلى الدولة، دون أن تقدم دائماً ما يكفي من الأدلة على أنها تستعد لتحمل تلك المسؤولية بنفسها.
وهنا يظهر الوجه الأكثر قسوة في الأزمة: الصحفي.
خلف أرقام الدعم يوجد إنسان ينتظر أجره ليؤدي إيجار بيته، وقسط سيارته، ومصاريف مدرسة أبنائه. التزاماته لا تنتظر اجتماعاً، ولا بلاغاً، ولا تسوية إدارية. وحين يسمع، قبل نهاية الشهر بأيام، أن الدعم قد يتوقف، فإنه يواجه سؤالاً مباشراً: كيف سيعيش الشهر المقبل؟
أين أمنه الاجتماعي في نموذج جعل أجره معلقاً باستمرار إجراء استثنائي؟
أجر الصحفي التزام على مشغّله. والدعم العمومي، مهما كانت صيغته، لا يمحو هذا الالتزام. ومن غير المقبول أن تكون المقاولة مؤسسة خاصة حين تتصرف في مواردها وتحدد اختياراتها، ثم يصبح أجر العامل مسؤولية الدولة وحدها عندما تضيق الحسابات.
وإذا كان توقف الدعم سيحدث فعلاً ما يشبه السكتة القلبية لبعض المؤسسات، فإن ذلك يستدعي مساءلة من هندس هذا النموذج، ومن دافع عنه، ومن دفع نحو استمراره. هؤلاء مطالبون بأن يشرحوا كيف استمر الإنفاق دون أن تنخفض التبعية له، وكيف مرت السنوات دون أن يُبنى انتقال يحمي المقاولات والعاملين من صدمة كهذه.
لا يجوز أن يتقدم المدافعون عن هذا الاختيار اليوم باعتبارهم مجرد شهود على الخطر. لقد كانوا طرفاً في ترسيخ النموذج، وعليهم أن يتحملوا نصيبهم من مسؤولية حصيلته.
ومن دافع عن نموذج لم يحقق الاستدامة مطالب بالاعتراف بإخفاقه، وبترك الدولة تمارس مسؤوليتها في التقييم والإصلاح.
لكن هذه المسؤولية تفرض، بدورها، وضوحاً مؤسسياً لا يحتمل الالتباس.
حتى الآن، نحن أمام خبر متداول يحتاج إلى تأكيد رسمي يحدد طبيعته ومداه. فإذا كان هناك قرار بوقف الدعم أو تغيير آليته، فمن اتخذه؟ ومتى يسري؟ وما الالتزامات التي يشملها؟ وما التدابير المقررة لحماية العاملين خلال الانتقال؟
وحين يصدر الكلام عن جمعية من جمعيات الناشرين، فمن حق المهنيين أن يعرفوا: هل تنقل الجمعية قراراً مكتوباً؟ هل تقدم تأويلها لمعطيات توصلت بها؟ أم تعلن موقفاً تفاوضياً؟
للجمعيات حق التمثيل والترافع والدفاع عن مصالح أعضائها. أما القرار العمومي، فله جهة مختصة تعلنه وتشرحه وتتحمل مسؤوليته. وإذا توصلت جمعية بإشعار رسمي، فإن نشر مرجعه ومضمونه يرفع الالتباس. وإذا لم يصدر قرار، فإن صمت الإدارة يترك العاملين رهائن التأويل.
بلد المؤسسات يعني احترام الاختصاصات، ووضوح الصفات، ومعرفة من يقرر ومن يمثل ومن يحاسب. ولا يستقيم أن تتوارى الجهة المسؤولة، فيما تتولى هيئة مهنية إبلاغ القطاع بما يمس مصير أجوره.
ثم إن إصلاح الدعم يقتضي العودة إلى السؤال الأصلي: ما النشاط الذي يستحق تمويله باسم الصحافة؟
المقاولة التي تنتج معلومة موثقة، وتؤطر صحفيين، وتحترم حقوقهم، وتقدم خدمة للقارئ، يجب أن تجد مكانها داخل سياسة دعم عادلة. أما من يتخذ الصفة الصحفية واجهة لتجارة النفوذ أو الوساطة أو خدمات أخرى، فلا ينبغي أن تُموّل أنشطته من الاعتمادات المخصصة للصحافة. والفصل بين الحالتين مسؤولية الافتحاص والتقييم، وفق معايير معلنة وقرارات معللة.
قد تكون هذه الأزمة فرصة لإنهاء اختيار استنفد مبرراته. لكن الإصلاح لن يكتمل بتحويل الفشل الاقتصادي للمقاولات إلى مأساة اجتماعية للصحفيين، كما لن يكتمل بإبقاء الدولة أسيرة المطالبة بتمويل النموذج نفسه إلى ما لا نهاية.
المطلوب أن تُفتح الحسابات، وتُعلن الحصيلة، وتُحدد المسؤوليات، ويُبنى بديل قابل للاستمرار.
من صمم النموذج ودافع عنه عليه أن يجيب عن نتائجه. والدولة عليها أن تعلن قرارها وتتحمل إصلاحها. أما الصحفي، فلا يجوز أن يدفع من أجره وأمن أسرته ثمن فشل لم يصنعه.



















