في 21 أكتوبر 2026، أمرت المحكمة الابتدائية الزجرية بالدار البيضاء بإيداع الدكتور رشيد شرقاب السجن، استجابة لملتمس النيابة العامة. وفي اليوم نفسه، قضت بإدانته ابتدائياً بسنة حبساً نافذاً وغرامة نافذة قدرها 5.000 درهم، من أجل جنحتي ادعاء صفة حددت السلطة العامة شروط اكتسابها، وبث وتوزيع ادعاءات ووقائع كاذبة بقصد التشهير.
في التغطيات الإعلامية، تصدّر لقب «طبيب الشعب» النقاش، وقُدّم الملف للرأي العام على أنه استهداف لطبيب يحظى بتقدير مرضاه. ومن حق هؤلاء أن يتضامنوا معه، كما أن من حق دفاعه أن ينازع في الحكم وأدلته. لكن فهم سبب إيداعه السجن يبدأ من الوقائع التي عرضت على المحكمة، وفي مقدمتها بلاغ اتهم طبيبين بتهديد زميل لهما، وصفة نقابية قالت المحكمة إن شرقاب استعملها دون حق.
…… بلاغ تضمن وقائع كاذبة بقصد التشهير
بدأت القضية في 12 أكتوبر 2024، حين أدخل شرقاب مريضاً إلى جناح الإنعاش بالمركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد بالدار البيضاء. وقال الطبيبان محمد عزيز البحوري وفريد شهاب إن حالة المريض، في تقديرهما، لم تكن تستدعي إدخاله إلى الإنعاش. وأوضح شرقاب أنه تدخّل لإنقاذه لأن حالته كانت تستلزم العناية المركزة.
بعد تسعة أيام، صدر بلاغ باسم «النقابة الديمقراطية للصحة» يتهم المسؤولين عن الجناحين المعنيين بممارسة ضغوط على الطبيب المقيم أحمد ياسين وتهديده بالطرد والترسيب في امتحان التخصص بسبب استقباله المريض. بذلك تجاوز الخلاف حدود القرار الطبي، وأصبح يتعلق باتهام محدد يمسّ السمعة المهنية لطبيبين.
أقرّ شرقاب بمساهمته في البلاغ، وقال إنه أشار إلى المعنيين بصفتيهما من دون ذكر اسميهما. واعتبرت المحكمة أن الوصف كان كافياً للتعرّف عليهما داخل المستشفى. وخلصت، استناداً إلى عدة قرائن من بينها بيان تكذيبي صادر عن الطبيب المقيم نفسه، إلى أن واقعة التهديد الواردة في البلاغ كانت كاذبة. وانصبّ تعليل الإدانة على مساهمة شرقاب في نشر ذلك الاتهام، فيما ظل تقدير ضرورة إدخال المريض إلى الإنعاش مسألة طبية منفصلة.
…… انتحال صفة «المنسق الوطني»؟
استند شرقاب إلى اعتماد منحه إياه عبد اللطيف صدار في غشت 2024 بصفته «الكاتب العام» للنقابة. وبعد فحص الوثائق والمراسلات الإدارية، خلصت المحكمة إلى أن صدار لم يكن يستحق هذه الصفة وقت الوقائع، وأن الاعتماد الصادر عنه لم يمنح شرقاب حق تمثيل النقابة. كما استخلصت من ظروف استعمال الصفة أن شرقاب كان يعلم بعدم استحقاقها، فأدانته من أجل ادعاء صفة حددت السلطة العامة شروط اكتسابها.
وشملت إدانة صدار أيضاً بلاغاً صدر في شتنبر 2023 واتهم الطبيبة نسرين خويلة بالتغيب عن عملها والاشتغال في مصحات خاصة مع تقاضي أجرها من المال العام. وخلصت المحكمة إلى عدم صحة تلك الاتهامات، واستبعدت بلاغين آخرين من أساس الإدانة لعدم كفاية الأدلة على كذب مضمونهما. أما محمد آيت الطالب، فانحصرت إدانته في ادعاء صفة «نائب الكاتب العام».
…… لماذا كان الحبس نافذاً؟
عند تحديد العقوبة، أخذت المحكمة في الاعتبار أن مساهمة شرقاب انحصرت في البلاغ التضامني واستعمال صفة «المنسق الوطني». وراعت في المقابل مكانته أستاذاً للتعليم العالي ومسؤولاً طبياً، وأثر كلامه في الاعتبار المهني لزميليه، وسياق الخلاف المباشر الذي سبق نشر الاتهام. وبناء على ذلك، اختارت الحد الأدنى المقرر قانوناً للعقوبة الحبسية وجعلته نافذاً.
وفي الملف نفسه، حكمت المحكمة على صدار بسنتين حبساً نافذاً وغرامة قدرها 5.000 درهم، وعلى آيت الطالب بستة أشهر حبساً نافذاً وغرامة قدرها 2.000 درهم. كما ألزمت المحكوم عليهم الثلاثة، بالتضامن، بأداء 1.450.000 درهم، لفائدة المجموعة الصحية الترابية لجهة الدار البيضاء–سطات وثلاثة أطباء، وأمرت بحذف المنشورات موضوع المتابعة ونشر ملخص الحكم بعد صيرورته نهائياً. وتوثّق النسخة المتاحة الحكم الابتدائي وقرار الإيداع يوم صدوره.
من التضامن إلى التجييش
من حق الدفاع أن يعرض روايته وأن ينتقد التعليل أو العقوبة. وتبدأ مسؤولية المواقع التي تنقل تلك الرواية من عرض ما واجهته المحكمة من أقوال ووثائق أيضاً. فالطبيبان اللذان أمكن التعرف عليهما من خلال البلاغ، والطبيب المقيم الذي كذّب ما نُسب إليه، جزء من القصة التي يحق للقارئ أن يعرفها.
اختزال هذا الملف في حكاية «طبيب الشعب» الذي يتعرّض للاستهداف يحوّل التضامن إلى وسيلة لحشد الرأي العام حول رواية واحدة. وهذه أسهل طرق التجييش، لأن اللقب يصل إلى الناس أسرع من تفاصيل الحكم. لكن إذا غاب عن التغطية ما ورد في البلاغ، وما قاله المعنيون به، وما استند إليه القضاء، فبأي وقائع يُطلب من الناس أن يحكموا على القضية؟



















