في المشهد السياسي المغربي، هناك من يصر على تكرار الأخطاء نفسها، متوهمًا أن إعادة ترتيب الأوراق كفيلة بتغيير قواعد اللعبة. فؤاد عبد المومني، الذي يقدّم نفسه كأحد الأصوات الداعية إلى التغيير، لا يفعل في الواقع سوى إعادة تدوير الفشل في قوالب خطابية جديدة، متلاعبًا بالمفاهيم والاصطفافات بحثًا عن صيغة سحرية تُرضي الجميع دون أن تحمل أي مضمون قابل للتنفيذ.
في آخر تدويناته، يحاول عبد المومني إقناع المتلقي بأن سقوط حزب العدالة والتنمية في 2021 لم يكن مجرد نتيجة لتوقيع سعد الدين العثماني على اتفاقية التطبيع، بل كان امتدادًا لمسار بدأ منذ عهد بنكيران. غير أن هذا الطرح ليس سوى محاولة للتخفيف من وطأة الهزيمة، عبر إقحام تفسير أكثر تجريدًا يتجاوز اللحظة السياسية المباشرة، ويضع الحزب في سياق أكبر من مسؤوليته الفعلية. لكنه في المقابل، يمرر فكرة أكثر خطورة: أن المشكلة لم تكن في فشل الحزب نفسه، بل في اختياره استراتيجية “التغيير عبر رضا السلطة”، وكأن التغيير يمكن أن يكون ممكنًا فقط عبر مقاربة مختلفة، لكنها تظل قائمة على نفس الأوهام.
لكن جوهر الخطاب لا يتوقف عند حدود نقد تجربة “البيجيدي”، بل يتعداها إلى محاولة إعادة صياغة معادلة سياسية هجينة، قوامها تحالف بين القوى الإسلامية، اليسارية، الأمازيغية، والمخزن ذاته. هذا الطرح، الذي يبدو للوهلة الأولى كدعوة إلى بناء كتلة تاريخية، ليس في الواقع سوى تعبير عن أزمة فكرية تعجز عن تقديم رؤية واضحة، فتكتفي بمحاولة جمع المتناقضات على أمل أن ينتج عن هذا الخليط مشروع ذو ملامح محددة. لكنه، في جوهره، لا يختلف كثيرًا عن الخطاب الذي يروج له أمثال حميد المهداوي أو هشام جيراندو، حيث يصبح الهدف هو إقناع الجميع بأن التغيير ممكن عبر تجميع القوى، بغض النظر عن التناقضات الجوهرية التي تفصل بينها و تكريس فكرة صراعات داخل مربع الحكم !
في نهاية المطاف، ما يقدمه عبد المومني ليس مشروعًا سياسيًا حقيقيًا، بل محاولة لإعادة تدوير خطاب فقد صلاحيته. إنه توظيف انتهازي لفكرة “الكتلة الحرجة”، دون أن يكون هناك تصور دقيق لما تعنيه هذه الكتلة، أو كيف يمكن أن تتحقق في واقع تهيمن عليه اعتبارات المصالح والتوازنات الدقيقة. فبين خطاب يعيد إنتاج أخطاء الإسلاميين، وطموح يساري لم يعد قادرًا على تقديم بدائل، وانتهازية تحاول إقحام المخزن في معادلة عبثية، تظل النتيجة واحدة: إعادة إنتاج الفشل، ولكن بأسلوب أكثر زخرفة.