ما الذي يجعل بعض الناس يشعرون بالضيق كلما حقق الوطن نجاحا؟ لماذا يتحول كل خبر إيجابي إلى مصدر إزعاج لديهم، بينما يفترض أن يكون مناسبة للتفاؤل والثقة في المستقبل؟
في كل دول العالم، تشكل الإنجازات لحظات إجماع وطني. لحظات يتوقف فيها الناس لتقييم ما تحقق، ومناقشة ما يجب أن يتحقق غداً. أما عندنا، فقد ظهر صنف غريب من الأصوات لا يرى في النجاح سوى تهديد لسرديته، ولا يجد لنفسه مكاناً إلا داخل مناخ التوتر والتشكيك والتأزيم.
كلما تقدم المغرب في مؤشر اقتصادي، أو عزز موقعه كوجهة استثمارية، أو رسخ مكانته كقوة سياحية صاعدة في إفريقيا، انطلقت في المقابل حملة بحث محمومة عن قضية جانبية، وعن جدل بديل، وعن معركة مصطنعة قادرة على سحب النقاش بعيداً عن جوهر الحدث.
وكأن المشكلة ليست في غياب الإنجازات، بل في وجودها.
فحين يصبح المغرب في صدارة مؤشرات إفريقية مهمة، وحين تتدفق الاستثمارات الدولية، وحين تنجح المملكة في تنظيم التظاهرات الكبرى وتعزيز حضورها القاري والدولي، يفترض أن ينشغل الجميع بالسؤال الطبيعي: كيف نحافظ على هذا المسار؟ وكيف نسرّع وتيرته؟ لكن هناك من لا يستطيع العيش خارج مناخ الأزمة، لأن الأزمة بالنسبة إليه ليست ظرفاً عابراً، بل مصدر رزق سياسي وإعلامي ورقمي.
لهذا نلاحظ أن كل محطة وطنية تتحول عندهم إلى فرصة للتشويش. وكل استحقاق جماعي يصبح مناسبة لإنتاج الشكوك. وكل نجاح يستدعي فوراً حملة مضادة هدفها إغراق الرأي العام في تفاصيل ثانوية ومعارك مفتعلة.
وليس الأمر مرتبطاً بالنقد، فالنقد الصحي ضرورة لأي مجتمع حي. المشكلة تبدأ حين يتحول النقد إلى عداء مرضي لكل ما هو إيجابي، وحين يصبح التشكيك موقفاً مسبقاً لا علاقة له بالوقائع، وحين يتحول البحث عن الأخطاء إلى هوس يمنع صاحبه من رؤية أي شيء آخر.
إن بعض محترفي الإثارة يدركون جيداً أن الأخبار السارة لا تخدم تجارتهم. فازدهار الأوطان يضيق المساحة أمام خطابات الإحباط، والنجاحات المتراكمة تكشف هشاشة السرديات القائمة على السوداوية الدائمة. لذلك يسارعون، مع كل إنجاز، إلى اختراع أزمة جديدة أو تضخيم حدث عابر أو تأويل إجراء عادي وكأنه كارثة وطنية.
لكن الحقيقة أبسط من كل ذلك.
الأوطان لا تقاس بعدد الصرخات التي تطلق ضدها، بل بحجم ما تنجزه على الأرض. والتاريخ لا يتذكر صناع الضجيج بقدر ما يتذكر صناع التحولات الكبرى. أما الذين أمضوا أعمارهم في مطاردة النجاحات بالتشكيك، فلم يتركوا وراءهم سوى أرشيف طويل من التوقعات الخاطئة وخيبات الرهان.
واليوم، بينما يواصل المغرب تثبيت مكانته الاقتصادية والسياحية والاستثمارية قارياً ودولياً، يبدو السؤال أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: لماذا يزعج نجاح الوطن بعض أبنائه أكثر مما يزعج خصومه؟
لعل الجواب يكمن في حقيقة واحدة؛ أن النجاح يفضح الجميع. يفضح من راهنوا على الفشل، ويكشف محدودية الخطابات التي لا تعيش إلا على السخط، ويعرّي تجارة الإحباط التي لا تزدهر إلا في بيئة يسودها الشك والخوف والعدمية.
أما المغرب، فسيواصل طريقه كما فعل دائماً. يخطئ أحياناً ويصيب كثيراً، لكنه يتقدم. وفي النهاية، يبقى الفرق واضحاً بين من يبنون المستقبل بالحجر والفكرة والعمل، وبين من لا يملكون سوى انتظار لحظة فرح جديدة لإفسادها.
إنها، في النهاية، وظيفة أصوات الشؤم: أن تبحث عن الفتنة كلما وجد ما يستحق الاحتفاء.





















