في الدول الطبيعية، تُصنع النخب داخل الجامعات، وتُبنى المؤسسات على الكفاءة، ويصعد أصحاب التكوين لأن المجتمع يدرك أن قيادة القطاعات ليست مباراة في ,”التاحراميات”، بل مسؤولية تحتاج علمًا وخبرة ورؤية.
هناك، لا يجلس الممرض مكان الطبيب.
ولا يقود التقني مشروع المهندس.
ولا يتحول محدود التكوين فجأة إلى مرجعية في الاقتصاد والسياسة والإعلام والقانون فقط لأنه يملك حسابًا على مواقع التواصل أو قدرة أكبر على الضجيج.
فالعقل، في كل المجتمعات الجادة، ليس تفصيلًا ثانويًا.
إنه أساس البناء كله.
أما عندنا، فالمشهد يبدو أحيانًا معكوسًا بشكل يثير الحيرة.
كلما امتلك الإنسان تكوينًا حقيقيًا، ازداد وعيه بتعقيد الدولة، وفهمه لحساسية التوازنات، وإدراكه لكلفة الفوضى والانهيار.
وكلما قرأ أكثر، أصبح أقل ميلًا للشعبوية، وأقل انجذابًا للخطابات الانفعالية، وأقل قابلية للتحول إلى مشروع عدمي أو انفصالي.
لأن صاحب التكوين الحقيقي لا يرى الوطن مجرد شعار، بل منظومة معقدة من المؤسسات والاقتصاد والأمن والاستقرار والتاريخ والمصالح والتوازنات.
يعرف أن الدول لا تُبنى بالتاحراميات و الضربات من تحت الحزام.
ولا تُدار بالهواتف.
ولا تُصلح بالفوضى الرقمية.
ولهذا، نادرًا ما تجد أصحاب الكفاءات الحقيقية يلهثون خلف العبث، أو يسقطون في المراهقات السياسية، أو يتحولون إلى أدوات في مشاريع الهدم والكراهية.
فالذي تعب سنوات في الدراسة، وبنى نفسه بالمعرفة، يفهم جيدًا معنى الدولة حين تسقط، ومعنى المؤسسات حين تنهار، ومعنى الفوضى حين تتحول إلى نمط حياة.
لكن المأساة تبدأ حين يصبح المجتمع نفسه في حالة خصام مع عقوله.
حين تُحاصر الكفاءات ويُحتفى بالتفاهة.
حين يصبح صاحب المعرفة مطالبًا دائمًا بإثبات شرعيته، بينما يُمنح الجهل ثقة مجانية فقط لأنه أكثر علاقات و أكثر ضغطا
وهنا تظهر أزمة العقول.
ليست أزمة شهادات فقط، بل أزمة ترتيب قِيَم.
أزمة مجتمع صار أحيانًا يخلط بين الجرأة والوقاحة، وبين ما تقوله له مسؤوليته و ما قد يقوم به من تلاعبات.
ولهذا نرى قطاعات كثيرة في المغرب، رغم حجم الاستثمارات الضخمة التي ضُخت فيها، عاجزة عن تحقيق الإقلاع الحقيقي.
تتغير الميزانيات، وتتضاعف البرامج، وتُرفع الشعارات، لكن الأعطاب نفسها تستمر، لأن المشكلة أعمق من المال، وأخطر من نقص الإمكانيات.
المشكلة حين تتحول بعض القطاعات إلى شبكات مصالح بدل أن تكون فضاءات للكفاءة.
حين يصبح تكوين العلاقات أهم من التكوين العلمي.
ويصبح القرب من مراكز النفوذ أكثر فاعلية من الاجتهاد والخبرة.
ويتحول الوصول إلى بعض الصفقات والمواقع والمارشيات إلى عملية توزيع مغلقة بين دائرة صغيرة تتقاطع فيها المصالح أكثر مما تتقاطع فيها الكفاءات.
وللأسف، فإن بعض الوجوه التي وُلدت مهنيًا في زمن الفوضى، وما تزال إلى اليوم جائعة للمزيد، لا يمكنها الاستمرار في هذا السطو المقنّع إلا عبر بناء شبكات مع قليلي العلم وكثيري المصالح.
لأن صاحب الكفاءة الحقيقية يصعب تدجينه.
وصاحب التكوين الحقيقي يزعج منظومات الريع.
أما محدودو التكوين، فغالبًا ما يكونون أكثر قابلية للتحول إلى أدوات داخل شبكات النفوذ والولاءات والمصالح المتبادلة.
ولهذا تجد بعض القطاعات تدور في الحلقة نفسها منذ سنوات.
نفس الأعطاب.
نفس الشبكات.
نفس المعارك الصغيرة و بكل غباء.
المشكلة لم تكن يومًا فقط في القوانين أو الإمكانيات، بل في من يقود، ومن يُقصى، ومن يُترك له المجال ليصنع الوعي أو يدمّره.
الأمم التي تقدمت لم تكن تمتلك معجزات.
كانت فقط تعرف كيف تضع العقل في مكانه الطبيعي.
تحترم العلماء.
تحمي الكفاءات.
وتفهم أن أخطر استثمار يمكن أن تخسره أي دولة هو عقولها.
أما حين يتحول أصحاب التكوين إلى غرباء داخل قطاعاتهم، ويصبح أهل المعرفة في موقع الدفاع الدائم عن حقهم في الوجود، فذلك ليس مجرد خلل عابر.
إنها بداية التصحر العقلي.
و الانهيار الحقيقي هو حين
يصبح الجهل أكثر نفوذًا من العقل.





















