نجيبة جلال
منذ تعيينها من طرف صاحب الجلالة رئيسة للحكومة، دخلت فاطمة الزهراء المنصوري مرحلة تتجاوز قيادة «الجرار». لم تعد مسؤوليتها تنتهي عند حدود الأصالة والمعاصرة، ولم يعد نجاحها يقاس بقدرتها على توحيد صفوف حزبها وحده. أمامها الآن مهمة أوسع: بناء أغلبية قادرة على العمل، وتشكيل فريق حكومي يخدم المصالح العليا للوطن.
وهذا الانتقال يفرض تغييرا في الموقع وفي الخطاب وفي طريقة اتخاذ القرار. فما يصلح لتعبئة حزب خلال حملة انتخابية قد يصبح عبئاً على رئيسة حكومة تحتاج إلى شركاء. ومن اعتبره بعض الباميين خصما بالأمس قد تجد المنصوري أن مصلحة البلاد تقتضي التفاوض معه اليوم، وربما تقاسم مسؤولية تدبير الشأن العام معه غداً.
هنا يبدأ الاختبار الحقيقي للقيادة. هل تستطيع فاطمة الزهراء المنصوري أن تجعل حسابات تشكيل الحكومة تتقدم على حسابات التيارات داخل حزبها؟ وهل تملك القدرة على إقناع من لا يزالون يعيشون أجواء الحملة بأن الانتخابات انتهت، وأن مسؤولية الحكم بدأت؟
ليس مطلوبا منها أن تتنكر لحزبها أو لالتزاماته. المطلوب أن تدرك، وأن تجعل حزبها يدرك معها، أن رئاسة الحكومة توسع دائرة المسؤولية. فهي ستُحاسب على أداء الحكومة بكامل مكوناتها، وعلى ما تحققه للمغاربة، وعلى قدرتها على تحويل الوعود إلى قرارات ونتائج.
من يريد إنجاح المنصوري عليه أن يمنحها المجال لتكون رئيسة أغلبية، بكل ما تفرضه هذه المهمة من تفاوض وتوازن
وحسم.
أما مطالبتها بإدارة المشاورات بمنطق حسابات ضيقة، أو بمنطق مكافأة هذا التيار وإرضاء ذاك، فستجعل الحكومة أسيرة نزاعات لم ينتخب المغاربة أحداً من أجلها. المواطن ينتظر عملاً ودخلاً وخدمات أفضل، ولا يعنيه أي جناح حزبي
انتصر في توزيع الحقائب.
ومن حق الأصالة والمعاصرة أن يدافع عن وزنه وعن برنامجه. ومن حق شركائه المحتملين أن يفعلوا الشيء نفسه. لكن الأغلبية لا تُبنى بإذلال الشركاء، ولا تستقيم إذا دخلها كل طرف وهو يعدّ الأيام إلى أول فرصة للانتقام. إنها تحتاج إلى اتفاق واضح، ومسؤوليات محددة، وثقة يصونها السلوك قبل البلاغات.
لذلك، فإن تشكيل أغلبية مع أحزاب اعتبرها بعض الباميين خصوماً سيكون امتحانا للنضج السياسي. فالخصومة الانتخابية لا تلغي إمكان التعاون، والتعاون لا يمحو الاختلاف. الذي يحسم هو القدرة على الالتقاء حول برنامج قابل للتنفيذ، وعلى تحمل مسؤوليته أمام المواطنين.
لكن على المنصوري أيضا أن تكون واضحة منذ البداية: التشاور داخل الحزب ضروري، وتحويل كل اختيار حكومي إلى معركة بين تياراته سيستنزفها قبل أن تبدأ. تستمع، وتوازن، ثم تحسم وتتحمل مسؤولية قرارها. فالقيادة تظهر حين يصعب إرضاء الجميع، وحين يصبح الاختيار ضروريا رغم الاعتراضات.
وسيكون على قيادات البام أن تختار بدورها: هل تريد توفير شروط نجاح رئيسة الحكومة، أم تريد الاحتفاظ بحق تعطيلها كلما لم تستجب لحساباتها؟
فاطمة الزهراء المنصوري أمام فرصة لتأسيس أغلبية تجمعها إرادة العمل، ويضبطها برنامج، ويحكمها احترام متبادل. فرصة تتطلب منها أن ترتفع إلى حجم المسؤولية الجديدة، وأن تطلب من حزبها الارتفاع معها.
لقد أوصلها الحزب إلى موقع التنافس. أما مسؤولية رئاسة الحكومة فتضع مصالح الوطن فوق حسابات الجميع، بمن فيهم أهل الحزب. ومن هذه النقطة سيبدأ الحكم على قيادتها.




















