نجيبة جلال /
قبل أسابيع قليلة فقط، خرجت وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات ببلاغ رسمي واضح أكدت فيه أن العرض الوطني من الأغنام والماعز المخصصة لعيد الأضحى 1447 هـ يتراوح بين 8 و9 ملايين رأس، متجاوزاً الطلب المقدر بين 6 و7 ملايين رأس. كما أوضحت أن القطيع الوطني استعاد توازنه وبلغ حوالي 40 مليون رأس بفضل البرنامج الملكي لإعادة تكوين القطيع وتحسن الظروف المناخية والولادات الموسمية.
البلاغ لم يكتف بالأرقام، بل تحدث أيضاً عن الحالة الصحية الجيدة للقطيع الوطني، وعن آلاف عمليات المراقبة التي قامت بها مصالح المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، وعن إحداث أسواق مؤقتة وتعزيز نقاط البيع بالوسط الحضري لضمان تموين الأسواق في أفضل الظروف.
لكن ما إن بدأ المواطنون في التوجه إلى الأسواق حتى برز مشهد مختلف تماماً.
في عدد من المدن، لم يعد النقاش مقتصراً على ارتفاع الأسعار فقط، بل امتد إلى حديث متكرر عن صعوبة العثور على الأضاحي وعن قلة العرض في بعض الأسواق ونقاط البيع. وأصبح من المألوف مشاهدة تجمعات المواطنين حول الشاحنات فور وصولها، والتهافت على معاينة الخرفان وشرائها بسرعة، وكأن الأمر يتعلق بسلعة نادرة توشك على النفاد.
السؤال إذن مشروع: كيف يمكن التوفيق بين خطاب رسمي يتحدث عن وفرة تتجاوز الطلب بملايين الرؤوس، وبين سلوك استهلاكي يوحي بوجود خوف جماعي من نفاد الأضاحي؟
في علم الاقتصاد، لا تؤدي الندرة الحقيقية فقط إلى ارتفاع الأسعار، بل إن مجرد الإحساس بالندرة قد يكون كافياً لإحداث اضطراب في السوق. عندما يقتنع عدد كبير من المستهلكين بأن العرض محدود وأن الأسعار مرشحة للارتفاع أو أن الأضاحي ستختفي من الأسواق، فإنهم يندفعون إلى الشراء المبكر وبأي ثمن، وهو ما يخلق طلباً استثنائياً يفوق الطلب الطبيعي ويغذي الشعور نفسه بالندرة.
و في هذه الحالات يصبح من الصعب التمييز بين الندرة الحقيقية والندرة النفسية.
فهل نحن أمام عمليات احتكار وتخزين متعمد لبعض رؤوس الماشية بهدف رفع الأسعار وتعظيم الأرباح؟ أم أن الأمر يتعلق بحملة غير مباشرة، عبر الإشاعات والتدوينات ومقاطع الفيديو والتعليقات المتداولة، نجحت في ترسيخ فكرة أن الأغنام غير متوفرة وأن من يتأخر في الشراء لن يجد ما يضحي به؟
اللافت أن جزءاً من النقاش العمومي خلال الأسابيع الماضية انشغل أكثر بتوقع اختفاء الأضاحي من الأسواق أكثر مما انشغل بمعطيات العرض الرسمية. ومع مرور الأيام، تحول الخوف من الندرة إلى عامل مؤثر في السوق بحد ذاته.
الأخطر من ذلك أن هذا المناخ لا يضر فقط بالمستهلكين، بل يضر أيضاً بالمربين والكسابة الذين يجدون أنفسهم وسط دوامة من الشائعات والتوقعات المتضاربة، كما يضع المؤسسات العمومية أمام تحدي استعادة الثقة في المعلومة الرسمية.
فإذا كانت الأرقام التي قدمتها وزارة الفلاحة صحيحة، فإن السؤال يجب أن يوجه إلى الجهات المكلفة بالمراقبة والتوزيع: أين يوجد هذا العرض؟ وكيف يصل إلى الأسواق؟ ولماذا لا يشعر المواطن بآثاره بالشكل المتوقع؟
أما إذا كانت بعض الجهات تسعى إلى خلق حالة من الهلع الجماعي عبر الترويج لفكرة اختفاء الأضاحي أو ندرتها، فإن الأمر لا يتعلق بمجرد إشاعة ، بل بسلوك يؤثر مباشرة في السوق وفي القدرة الشرائية للأسر وفي الاستقرار النفسي للمواطنين.
بين بلاغ الوفرة ومشاهد اللهفة في الأسواق، يبقى السؤال معلقاً: هل نحن أمام ندرة حقيقية، أم أمام ندرة مصنوعة؟ وهل تتحكم قوانين العرض والطلب في السوق، أم أن الخوف والإشاعة أصبحا اليوم فاعلين اقتصاديين لا يقلان تأثيراً عن الوسطاء والمضاربين؟
الأكيد أن المواطن المغربي لا يحتاج اليوم إلى مزيد من التهويل، بقدر ما يحتاج إلى معطيات دقيقة وشفافة، وإلى أسواق منظمة، وإلى رقابة فعالة تضمن أن تصل وفرة الأرقام إلى واقع الأسواق، حتى لا نصبح جميعنا ضحايا فراقشية الاخبار.



























