أخطر ما يمكن أن يصيب الإنسان ليس الفشل، بل النجاح حين يفقده القدرة على رؤية حجمه الحقيقي.
هناك لحظة فارقة في مسيرة بعض الإعلاميين، والسياسيين، وأصحاب المنابر العامة. لحظة لا يعودون فيها يرون أنفسهم كما هم، بل كما يتخيلون أنهم أصبحوا. لحظة يتحول فيها التأثير إلى شعور بالتفوق، والشهرة إلى اعتقاد بالاستثناء، والحضور الإعلامي إلى قناعة راسخة بأنهم أكبر من النقد وأوسع من القانون وأقوى من المؤسسات.
إنها لحظة «وهم العظمة».
في البداية يكون الأمر مجرد نجاح مشروع. جمهور يتسع، حضور يزداد، وتأثير يتعاظم. لكن ما يبدأ إنجازاً مهنياً قد ينتهي إلى حالة من التضخم الذاتي حين يختلط التصفيق بالحقيقة، والمتابعة بالتفويض، والانتشار بالشرعية.
عندها يبدأ السقوط الحقيقي.
فبعض أصحاب المنابر لا يكتفون بممارسة دورهم الطبيعي في الإخبار أو التحليل أو النقد، بل يتحولون تدريجياً إلى قضاة يوزعون الأحكام، وإلى أوصياء يحددون من يستحق الاحترام ومن يستحق الإقصاء، وإلى مراكز نفوذ تتصرف وكأنها تمتلك سلطة فوق سلطة المجتمع نفسه.
والمفارقة أن أصحاب هذا الوهم ينسون الحقيقة الأكثر بساطة في الحياة العامة: لا أحد أكبر من موقعه، ولا أحد أكبر من المؤسسة، ولا أحد أكبر من القانون.
لقد أثبتت التجارب، مرة بعد أخرى، أن الضجيج ليس قوة، وأن الشهرة ليست سلطة، وأن عدد المتابعين لا يصنع شرعية. فالجماهير التي تصفق اليوم قد تنصرف غداً، والمنصات التي تصنع النجومية قادرة على صناعة بدائلها في أي لحظة، أما المؤسسات فتبقى لأنها تستند إلى قواعد لا إلى أمزجة، وإلى شرعية لا إلى شعبية
عابرة.
إن أصحاب وهم العظمة يعيشون داخل صورة صنعوها لأنفسهم حتى يصدقوها. يسمعون المديح أكثر مما يسمعون الحقيقة، ويطالعون انعكاسهم في مرايا الإعجاب حتى يعتقدوا أنهم أصبحوا أكبر مما هم عليه فعلاً. ومع مرور الوقت تتسع الفجوة بين الواقع والوهم، بين المكانة الحقيقية والصورة المتخيلة، حتى تصبح العودة إلى الأرض أمراً مؤلماً.
والتاريخ مليء بالأمثلة.
كم من أسماء ملأت الدنيا صخباً، وتحدثت بلغة المنتصر الأبدي، وتصرفت وكأنها فوق المساءلة، ثم اختفت تاركة خلفها درساً واحداً: أن الغرور أسرع طريق إلى السقوط. فكل نفوذ لا تحكمه الحدود يتحول إلى عبء على صاحبه، وكل تأثير لا يرافقه وعي بالمسؤولية ينقلب إلى أداة تدمير ذاتي.
لهذا لا تكمن قوة الإنسان في حجم النفوذ الذي يمتلكه، بل في قدرته على إدراك حدوده. ولا تكمن العظمة في اعتقاد المرء أنه أكبر من الجميع، بل في معرفته الدقيقة بالمكان الذي يجب أن يتوقف عنده.
أما وهم العظمة، فلم يكن يوماً دليلاً على القوة، بل كان دائماً الإشارة الاولى إلى بداية النهاية.





















