اوسار أحمد/
في عالم الطيور، تُعرف النعامة بضخامة جثتها، وطول عنقها، وقدرتها الفائقة على الركض وإثارة الغبار من حولها.. لكنها رغم كل هذا الريش والضجيج، لا تطير. وإذا أردنا أن نسقط هذا التوصيف البيولوجي القاسي على عالم الساحرة المستديرة، فلن نجد أفضل من المنتخب الجزائري لتقمص دور هذا الطائر ببراعة منقطعة النظير كلما حلت مواعيد نهائيات كأس العالم.
تُفتح صنابير “الملايير” بسخاء حاتمي يجعل المرء يفرك عينيه ذهولاً. طائرات خاصة تُستأجر، معسكرات من فئة الخمس نجوم في أفخم عواصم العالم، طواقم فنية تتقاضى رواتب بالعملة الصعبة تكفي لسداد عجز ميزانيات دول نامية بأكملها. يُرافق كل هذا “بروباجاندا” إعلامية تصم الآذان، وتجعلك تعتقد، واهماً، أن هذا المنتخب لا يشد الرحال للمشاركة في بطولة كروية، بل ذاهب لغزو الفضاء واحتلال كوكب المريخ.
استوديوهات التحليل المحلية تتحول بقدرة قادر إلى ما يشبه غرف العمليات العسكرية. محللون بوجوه مكفهرة ينفخون في القربة المثقوبة، ويبيعون الوهم بالجملة والتقسيط لشعب مهووس بكرة القدم. تسمع عبارات رنانة من طراز: “نحن الأقوى”، “سنعلم الأرجنتين فنون الكرة”، و”سنلقن كبار أوروبا درساً لن ينسوه”. هكذا تزمجر أبواق الدعاية ليل نهار، حتى يُخيل للمواطن البسيط أن كأس العالم مجرد تحصيل حاصل، وأن الكأس الذهبية تم توضيبها سلفاً وتنتظر فقط شحنها في طائرة العودة إلى العاصمة.
لكن.. ويا لمرارة “لكن” حين تصطدم بصخرة الواقع.
بمجرد أن تطأ الأقدام ملاعب المونديال الحقيقية، وينقشع غبار النفخ الإعلامي، يتبخر كل شيء في رمشة عين. تكتشف الجماهير المصدومة أن “المحاربين” نسوا سيوفهم في استوديوهات التحليل، وأن ثعالب الشاشات، تحولت فجأة إلى “نعام” يدفن رأسه في عشب الملعب عند أول احتكاك حقيقي مع منتخبات تلعب كرة القدم بالقدم، لا باللسان.
تتحدث لغة الأرقام – وهي لغة لا تجامل ولا تشاهد التلفزيون – عن حصيلة تاريخية تُصيب بالدوار من فرط هزالتها. ثلاثة انتصارات فقط في تاريخ المشاركات المونديالية كلها! نعم، ثلاثة انتصارات يتيمة هي كل ما جناه هذا المنتخب الذي تُصرف عليه ميزانيات تعادل ميزانيات قطاعات حيوية. إنجاز وحيد في نسخة 2014 بالعبور لدور الـ 16، يتم اجتراره اليوم كعلكة فقدت طعمها من كثرة المضغ، لتغطية شمس الإخفاقات بغربال الماضي.
وما إن تقع الفأس في الرأس، وتتوالى الهزائم المذلة أو الإقصاءات المبكرة، حتى تبدأ جوقة التبريرات الجاهزة في العزف السيمفوني: “المؤامرة الكونية”، “التحكيم الإفريقي والعالمي الذي يستهدفنا”، “عشب الملعب الذي لم يكن متعاوناً”، و”الرطوبة التي استهدفت رئات لاعبينا دون غيرهم”. كوميديا سوداء وأسطوانة مشروخة تُعاد في كل خيبة، فقط لتبرير تبخر الملايير في الهواء، وللتغطية على فشل منظومة كروية تعتمد على “الشفوي” أكثر من التخطيط الاستراتيجي.
في النهاية، ستبقى النعامة نعامة، مهما زينتها بالريش الملون ووضعتها في أقفاص من ذهب. ومادامت كرة القدم في دولة الكابرانات تدار بعقلية “النفخ المبالغ فيه”* وبيع الأوهام، ومادامت أموال دافعي الضرائب تُصرف لشراء الانتصارات الوهمية في شاشات التلفزيون بدل بناء الحقائق على المستطيل الأخضر، فسيظل هذا المنتخب وفياً لتقاليده الغريبة.. يركض كثيراً، يثير الغبار والضجيج، لكنه أبداً.. أبداً لا يطير.





















