هيئة التحرير
كيف يمكن للصحافي أن يغطي حملة الانتخابات التشريعية، ويحلل برامج المرشحين، ويتنقل بين الدوائر الانتخابية، وينقل المنافسة إلى الرأي العام، بينما هو نفسه يخوض في الأيام ذاتها حملة انتخابية داخل مؤسسته المهنية؟
هذا هو السؤال الذي يفرض نفسه مع برمجة انتخابات ممثلي الصحافيين المهنيين بالمجلس الوطني للصحافة يوم 15 شتنبر، في الوقت الذي تنطلق فيه الحملة الانتخابية للتشريعيات يوم 10 شتنبر، أي أن الصحافة المغربية ستجد نفسها أمام استحقاقين انتخابيين متداخلين في ظرف لا يحتمل كثيرا من التشتيت.
فالصحافي هنا ليس مجرد ناخب يمكنه تخصيص يوم للاقتراع ثم العودة إلى عمله. إنه جزء أساسي من الآلة الإعلامية التي يفترض أن تواكب الانتخابات التشريعية من بدايتها إلى نهايتها. والمؤسسة الإعلامية مطالبة في الوقت نفسه بتعبئة صحافييها ومراسليها ومصوريها لتغطية الحملات والبرامج والمرشحين، وبمواكبة انتخابات المجلس الوطني للصحافة وحملتها ومرشحيها واقتراعها.
والأرقام الزمنية وحدها تكشف حجم التداخل: الحملة التشريعية تبدأ في 10 شتنبر، بينما ينتهي تعريف مرشحي المجلس الوطني للصحافة عند منتصف ليلة 14 شتنبر، ثم يجري اقتراع الصحافيين في 15 شتنبر، أي في اليوم السادس من الحملة التشريعية، وقبل ثمانية أيام فقط من موعد الاقتراع العام.
هذا ليس مجرد تزامن في الرزنامة، بل وضع يجعل الصحافي موزعا بين مهمتين انتخابيتين في اللحظة نفسها. وفي انتخابات تشريعية تحتاج إلى تغطية ميدانية واسعة وتحليل للبرامج ورصد للتنافس ونقل للنتائج، فإن كل طاقة تحريرية تستنزف في استحقاق آخر تعني، عمليا، طاقة أقل موجهة إلى الانتخابات الوطنية.
ومن هنا جاءت مواقف عدد من الهيئات المهنية والنقابية التي تطالب بتأجيل انتخابات المجلس الوطني للصحافة إلى ما بعد التشريعيات. ففي مراسلة موجهة إلى رئيس الحكومة يوم 13 غشت، لم تضع هذه الهيئات التزامن وحده في صلب اعتراضها، بل أثارت أيضا أسئلة حول اللوائح الانتخابية، وآجال تحيينها، ومعايير تحديد الناشرين والجهات المؤهلة، وغياب التشاور، وترتيبات عملية التصويت.
لكن التوقيت يبقى العقدة الأساسية. لأن انتخابات المجلس ليست ملغاة إذا تأجلت أسابيع، بينما انتخابات 23 شتنبر تحتاج إلى صحافة متفرغة بكامل مواردها البشرية والتقنية. فالمواطن ينتظر من الصحافي أن يشرح له البرامج، ويضع الوعود الانتخابية في سياقها، ويتابع المرشحين، ويرصد النقاش العمومي، ثم يقرأ النتائج. والمغرب، بدوره، يحتاج إلى إعلام وطني قادر على نقل هذه العملية الديمقراطية إلى الرأي العام الخارجي بصورة مهنية ومتوازنة.
لذلك، فإن الفصل الزمني بين الاستحقاقين لا يبدو مطلبا فئويا بقدر ما يبدو ترتيبا منطقيا للأولويات. يمكن للجنة المؤقتة أن تواصل تدبير شؤون المجلس، فيما تؤجل الانتخابات المهنية إلى ما بعد الاستحقاق التشريعي، حيث يصبح بإمكان الصحافيين والمؤسسات الإعلامية خوضها في ظروف أكثر هدوءا وتركيزا.
وهنا تنتقل الكرة إلى ملعب رئيس الحكومة. فالهيئات المهنية لا تطلب منه أن يختار من يفوز في انتخابات المجلس، ولا أن يتدخل في استقلالية المهنة، وإنما أن يمارس تحكيما مؤسساتيا يفصل بين استحقاقين لا يخدم تداخلهما أيا منهما.فالتأجيل بضعة أسابيع قد يحل الإشكال كله، ويمنح كل استحقاق حقه في الاهتمام، بدل أن يطلب من الصحافة أن تغطي الانتخابات… وتنتخب نفسها في الوقت نفسه.





















