نجيبة جلال
في قبيلة الصحفيين ، لا تحتاج رصاصا لاعدام قلم ، تكفي كلمة واحدة: “الابتزاز”.
إنها التهمة الأكثر جاهزية لإعدام السمعة قبل أن تبدأ المحاكمة، والأسرع انتشارًا في الفضاء العام، لأنها تحمل في ذاتها شحنة أخلاقية تجعل المتهم مدانًا في نظر كثيرين، حتى لو انتهت القضية بالبراءة.
ما وقع للزميل محمد اليوبي لا يتعلق بشخصه فقط، بل يطرح سؤالًا أكبر: هل نحن أمام محاكمة صحفي، أم أمام لحظة يشعر فيها الجسم الصحفي كله بأن أي صحفي قد يجد نفسه في قفص الاتهام بين ليلة وضحاها؟
لسنا هنا بصدد إعلان البراءة أو نفي التهم، فذلك اختصاص القضاء وحده. لكننا نتمسك بمبدأ لا ينبغي أن يخضع للمزاج ولا للضغوط: قرينة البراءة ليست شعارًا، بل قاعدة دستورية وقانونية.
ومن المؤسف أن هذه القضية، منذ ساعاتها الأولى، تحولت إلى محكمة إعلامية موازية، بينما ما تزال الأبحاث جارية، وما تزال الوقائع الكاملة غير معروفة للرأي العام.
ثم إن المعطيات المتداولة عن وجود تنازل من المشتكي مباشرة بعد الواقعة، إن صحت، تطرح أسئلة تستحق الإجابة، لا لأنها تنفي المسؤولية أو تثبتها، وإنما لأنها تؤكد أن الصورة ليست بالبساطة التي يحاول البعض تقديمها.
الأكثر إيلامًا أن الزميل، رغم تمتعه بكامل الضمانات القانونية، تمت متابعته في حالة اعتقال، وهو قرار يبقى من اختصاص السلطة القضائية، لكنه يعيد إلى الواجهة النقاش حول مدى اللجوء إلى الاعتقال الاحتياطي في القضايا التي لا يكون فيها خطر الفرار أو التأثير على البحث قائمًا بصورة واضحة.
وفي خضم كل هذا، انتشرت كلمات زوجته على مواقع التواصل الاجتماعي، وهي تشكي محنتها و تطلب تضامن الزملاء.
قد يختلف الناس حول القضية، لكن لا أحد يستطيع أن ينكر أن خلف كل ملف قضائي أسرة تعيش القلق، وأطفالًا ينتظرون، وأمًا أو زوجة يدفعون ثمنًا نفسيًا لا علاقة لهم به.
ولذلك فإن التضامن هنا ليس تضامنًا مع التهم، ولا مع الأشخاص، بل مع المبادئ.
التضامن مع الحق في المحاكمة العادلة.
التضامن مع قرينة البراءة.
التضامن مع استقلال القضاء عن الضغوط الإعلامية.
والتضامن مع الصحافة حين تصبح ممارسة المهنة نفسها محاطة بالخوف والارتياب.
إن الصحفي الذي يشتغل في ملفات حساسة، ويتعامل مع مصادر متعددة، ويقترب من مناطق النفوذ والمال والسلطة، يحتاج قبل كل شيء إلى ضمانة أن القانون سيحميه كما يحاسب غيره، وأن العدالة ستزن الوقائع بالأدلة، لا بالأحكام المسبقة.
لسنا فوق القانون، ولم يكن الصحفي يومًا يطالب بحصانة من المساءلة. لكنه أيضًا ليس مواطنًا من درجة ثانية، تُهدر سمعته قبل أن تبدأ المحاكمة.
قد تثبت التحقيقات ما يبرر المتابعة، وقد تنتهي إلى غير ذلك.
لكن المؤكد أن العدالة لا تُبنى على الانفعال، ولا على التشهير، ولا على التصفيق.
تبنى فقط على الأدلة.
وإلى أن يصدر حكم نهائي، سيظل محمد اليوبي متهمًا لا مدانًا.
وستظل ليلة القبض عليه، بالنسبة لكثير من الصحفيين، ليلة القبض على جزء من شعورهم بالأمان المهني.
لأن أخطر ما يمكن أن يصيب الصحافة ليس محاكمة صحفي، بل أن يصبح الخوف هو رئيس تحريرها.





















