باحدة عبد الرزاق
لم يكن التقرير المصور الذي نشرته ليكس بريس مباشرة بعد أحداث الفنيدق وسبتة مجرد متابعة إخبارية لواقعة استثنائية، بل محاولة لقراءة ما كان يجري خلف المشهد. يومها، اخترنا أن نتوقف عند الدور الذي لعبته المنصات الرقمية في التغرير بآلاف الشباب والقاصرين، وحذرنا من أن ما حدث لم يكن موجة هجرة عفوية بقدر ما كان نتيجة حملة تضليل واسعة استغلت هشاشة الفئات المستهدفة، وروجت لأوهام الوصول السهل إلى الضفة الأخرى. لم يكن ذلك من باب السبق الصحفي فقط، وإنما انسجاما مع الخط التحريري لـليكس بريس، الذي جعل من التصدي للدعاية المضللة، وكشف الأخبار الزائفة، والدفاع عن استقرار الوطن، خيارا مهنيا لا يخضع لمنطق الإثارة أو مسايرة الروايات الرائجة.
وأمس، جاء تصريح وزارة الداخلية حول أحداث سبتة ومليلية ليؤكد أن ما جرى لم يكن مجرد تجمهر شبابي انتهى بمحاولات عبور جماعية، بل عملية معقدة تشابكت فيها عوامل التضليل الرقمي، وشبكات الاتجار بالبشر، والتأويلات المغلوطة لمعطيات قانونية وإدارية، مع أوضاع اجتماعية استغلتها تلك الشبكات لإقناع آلاف الشباب بأن الطريق إلى أوروبا أصبح مفتوحا، وأن البحر لم يعد حاجزا، وأن السباحة قد تعني الإفلات من الإعادة الفورية.
أهمية البلاغ لا تكمن فقط في كونه يضع حدا لسيل من الإشاعات التي رافقت الأحداث، وإنما في كونه يقدم لأول مرة رواية مؤسساتية متكاملة، مدعومة بمعطيات ميدانية وإحصائية دقيقة، تشرح كيف تشكلت هذه الموجة، وكيف تعاملت معها السلطات، ولماذا كان من الضروري التدخل وفق مقاربة استباقية تجمع بين حماية الأرواح، وصون النظام العام، وتأمين الحدود، مع احترام القانون ومبدأ التناسب في التدخل.
فالبلاغ يرفض منذ بدايته اختزال ما وقع في أسباب ظرفية أو ردود فعل عفوية، ويؤكد أن الأحداث كانت نتيجة تفاعل عدة عوامل، يتصدرها الاستغلال المغرض للفضاء الرقمي، وترويج معلومات مضللة، ودور عصابات الاتجار بالبشر، إلى جانب التأويلات الخاطئة لبعض القرارات القضائية الإسبانية المتعلقة بالإعادة الفورية. وهنا بالضبط تكمن الرسالة الأساسية: فالمعركة لم تبدأ عند السياج الحدودي، وإنما على شاشات الهواتف، حيث تحولت منشورات ومقاطع فيديو ورسائل متداولة إلى أدوات تعبئة دفعت آلاف الأشخاص إلى التحرك في وقت قياسي.
ولعل من أهم ما يميز البلاغ أيضا أنه لم يكتف بتوصيف الظاهرة، بل صحح كثيرا من المعطيات التي جرى تداولها خلال الأيام الماضية. فقد قدم أرقاما رسمية دقيقة، تفيد بأن عدد المشاركين في محاولات العبور بلغ حوالي أربعين ألف شخص في اتجاه سبتة، ونحو ألف ومائة وخمسة وثلاثين شخصا في اتجاه مليلية، مؤكدا أن هذه المعطيات مستمدة من منظومات مراقبة وتتبع ميداني معتمدة، وليست تقديرات أو تخمينات، وهو ما يضع حدا للأرقام المتضاربة التي انتشرت على المنصات الاجتماعية، وأحيانا في بعض وسائل الإعلام.
كما أن البلاغ لم يغفل الجانب الإنساني، إذ أعلن تسجيل حالة وفاة عرضية نتيجة السقوط من منطقة صخرية، وعشر حالات وفاة بسبب الغرق، مع استمرار التنسيق مع السلطات الإسبانية للتحقق من كل المعطيات المتداولة بشأن وفيات أخرى، بما يضمن احترام الإجراءات القانونية والإنسانية. وهي مقاربة تعكس حرص الدولة على التعامل مع الملف بمنطق المسؤولية، بعيدا عن المزايدات أو الاستنتاجات غير المؤسسة.
غير أن القراءة المتأنية للبلاغ تكشف أنه لا يخاطب الرأي العام الوطني فقط، بل يوجه رسائل متعددة المستويات. فهو يبعث برسالة إلى المواطنين مفادها أن الدولة كانت تتابع المؤشرات منذ بدايتها، واعتمدت مقاربة استباقية حالت دون تحول الوضع إلى فوضى أكبر. ويوجه رسالة إلى مروجي الإشاعات بأن المؤسسات تملك من المعطيات ما يكفي لتفنيد الروايات المضللة. كما يحمل رسالة واضحة إلى الشركاء الأوروبيين بأن المغرب يواصل الاضطلاع بدوره كشريك موثوق ومسؤول في مكافحة الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر، ملتزما بالتعاون والتنسيق الدولي، وفي الوقت نفسه حريصا على حماية حدوده وفق مقتضيات سيادة القانون.
لكن، في المقابل، فإن الإقرار بخطورة التضليل الرقمي لا ينبغي أن يحجب حقيقة أخرى لا تقل أهمية. فالرسائل المضللة لا تصنع وحدها آلاف الراغبين في الهجرة، وإنما تنجح عندما تجد شبابا يعيش جزء منه الإحباط أو هشاشة الأفق الاقتصادي والاجتماعي. ولذلك فإن مواجهة الهجرة غير النظامية لا يمكن أن تقتصر على المقاربة الأمنية، مهما كانت نجاعتها، بل تستدعي أيضا مواصلة بناء فرص الإدماج، ودعم التشغيل، وتأهيل الشباب، وتقوية مناعة المجتمع ضد كل خطاب يبيع الوهم ويستثمر في اليأس.
لقد أثبتت أحداث سبتة أن شبكات الاتجار بالبشر تطورت هي الأخرى، فلم تعد تعتمد فقط على السماسرة والوسطاء، بل أصبحت تستثمر في الخوارزميات، والمجموعات الرقمية، والمحتوى السريع الانتشار، حيث يمكن لمنشور واحد أو مقطع فيديو قصير أن يبلغ ملايين المستخدمين خلال ساعات، وأن يحول معلومة مغلوطة إلى قناعة جماعية تدفع إلى المجازفة بالحياة. وهذا التحول يفرض أن تصبح حماية الفضاء الرقمي جزءا لا يتجزأ من منظومة الأمن الوطني، تماما كما هو الحال بالنسبة إلى حماية الحدود البرية والبحرية.
إن بلاغ وزارة الداخلية لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد تفاعل مع أحداث عابرة، بل باعتباره وثيقة تؤرخ لتحول عميق في طبيعة التهديدات التي تواجهها الدول. فالحدود في القرن الحادي والعشرين لم تعد تقتصر على البحر أو الأسلاك أو المعابر، وإنما أصبحت تمتد إلى المنصات الرقمية، حيث تُصنع القناعات، وتُدار حملات التضليل، وتُستغل آمال الشباب وأحلامهم.
ولعل الدرس الأبرز الذي ينبغي أن نستخلصه جميعا هو أن حماية الوطن لم تعد مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، بل أصبحت أيضا مسؤولية الإعلام المهني، والمؤسسات التربوية، والأسرة، والمجتمع، وكل من يملك القدرة على مواجهة الإشاعة بالحقيقة، والدعاية بالوعي، واليأس بالأمل. لأن أخطر ما كشفت عنه أحداث سبتة ليس فقط محاولة عبور جماعية غير مسبوقة، وإنما قدرة رسالة مجهولة المصدر على أن تدفع آلاف الشباب إلى الاعتقاد بأن البحر أقصر طريق إلى المستقبل، بينما كان في الواقع أقصر طريق إلى المأساة.





















