زوركا ميلين : المديرة الـمُشارِكة لتحالف الـمُساءلة المالية وشفافية المؤسسات (FACT).
كان التقدم السريع الذي طرأ على مجال الذكاء الاصطناعي وردود الفعل الشعبية العنيفة الناتجة عن ذلك سببا في إضفاء طابع ملح جديد على سؤال قديم: كيف يمكننا تعزيز النمو الاقتصادي العادل بالاستعانة بالإبداع التكنولوجي في حين نعمل على التخفيف من العواقب الاجتماعية والبيئية السلبية؟ على المستويين المحلي والعالمي، تبدأ الإجابة بسياسة الضرائب على الشركات.
الواقع أن القلق بشأن الذكاء الاصطناعي لا تربطه صِلة بالقلق الفلسفي بقدر ما يرتبط بالتأثيرات المجتمعية. فالمكاسب المالية تتركز على نحو متزايد بين حفنة من الشركات ومساهميها، في حين أن التكاليف ــ من خسارة الوظائف إلى ارتفاع أسعار الطاقة ــ يتحملها الآخرون جميعا. في المجتمعات الديمقراطية، تُـعَـد الضرائب الآلية الأساسية لترجمة المكاسب الخاصة إلى منافع عامة. وعندما تنهار هذه الآلية، تُصبِح ردود الفعل العنيفة حتمية.
والعدالة التوزيعية من الشواغل البارزة بذات القدر على المستوى العالمي. فبينما ينشغل الشمال العالمي بالرفض العام القوي للذكاء الاصطناعي، يواجه الجنوب العالمي حاجة ملحة لتعبئة التدفقات الضريبية المحلية من الشركات المتعددة الجنسيات، وخاصة شركات التكنولوجيا، في أعقاب التخفيضات الحادة التي طرأت على المساعدات. تنبع هذه الـمشكلات من المصدر ذاته: فعندما تنقل الشركات أرباحها من البلدان التي اكتسبتها فيها إلى ملاذات ضريبية، يؤدي هذا إلى انخفاض الإيرادات العامة لجميع الحكومات.
لقد أظهر تحول الاقتصاد العالمي رقميا أوجه القصور التي تعيب النظام الضريبي الدولي. لكن الحاجة إلى كسر الوضع الراهن لم تكن قَط أشد وضوحا مما هي عليه الآن. لقد عزز الذكاء الاصطناعي الاتجاه إلى فصل القيمة الخاضعة للضريبة عن وجود الشركة المادي ــ وهو ما كان لفترة طويلة شرطا أساسيا لحق الدولة في فرض الضرائب. فمن الممكن أن تكون بيانات التدريب، والقدرات الحاسوبية، والملكية الفكرية موزعة عبر مناطق اختصاص عديدة، بعيدا عن أماكن تواجد العمال أو المستخدمين، وهذا يغذي الجدال حول مكان خلق القيمة.
وضعت شركات التكنولوجيا العملاقة المتعددة الجنسيات التي تتخذ من الولايات المتحدة مقرا لها ــ وبعضها من المنتظر أن يحقق مكاسب ضخمة من ثورة الذكاء الاصطناعي ــ دليلا استراتيجيا من الممكن أن تتبعه شركات مثل OpenAI وAnthropic. ولأن أرباحها تتولد في الغالب من أصول غير ملموسة مثل البرمجيات، فإنها تستطيع تحويلها إلى ملاذات ضريبية، مُـستغِلة بذلك قواعد دام العمل بها عقودا من الزمن لدفع معدلات ضريبية شديدة الانخفاض. وليس من المستغرب أن تتورط شركات كبرى عاملة في مجال التكنولوجيا في نزاعات ضريبية.
على سبيل المثال، كشف تحقيق أجراه مجلس الشيوخ الأميركي عام 2013، وتلاه تحقيق أجرته المفوضية الأوروبية عام 2016، أن شركة Apple حَـوَّلَت جزءا كبيرا من أرباحها العالمية التي تقدر بمليارات الدولارات إلى شركاتها التابعة في أيرلندا، والتي دفعت بعد ذلك معدل ضريبة على أرباح Apple الأوروبية لا يتجاوز 0.005%. وبلغت الضجة ذروتها عندما أَمَرَت سلطات الاتحاد الأوروبي شركة Apple بدفع مبلغ هائل قدره 13 مليار يورو (15 مليار دولار) إلى أيرلندا كضرائب متأخرة، وتسبب هذا في إشعال شرارة إصلاح ضريبي دولي كبير في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD).
إن العجز عن فرض الضرائب على أرباح الشركات الرقمية لا يتطلب ما هو أقل من إصلاح شامل للنظام الضريبي الدولي. وقد حاول صُـنّاع السياسات وقف السباق الضريبي العالمي نحو القاع من خلال فرض ضرائب الحد الأدنى على المستويين الوطني والعالمي. فاستَنَّـت الولايات المتحدة ضريبة حد أدنى بديلة على الشركات في عام 2022، لكنها خُففت منذ ذلك الحين. وينطبق الأمر ذاته على ضريبة الحد الأدنى العالمية المفروضة على الشركات والتي اعتُمِدَت بموجب الإطار الشامل لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومجموعة العشرين بشأن تآكل القاعدة الضريبية ونقل الأرباح، والذي تعطلت عمليته المخطط لها لإعادة توزيع حقوق فرض الضرائب من المقرات الرئيسية إلى بلدان الأسواق.
انتقدت جماعات العدالة الضريبية قرار المحكمة بشأن شركة Apple وإصلاحات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لفشلهما في مراعاة مصالح البلدان النامية. ولإنشاء نظام أكثر عدلا ويمكن التنبؤ به بشكل أفضل، اقترحت الحكومات الأفريقية اتفاقية إطارية بشأن التعاون الضريبي الدولي تحت رعاية الأمم المتحدة، والمفاوضات بشأنها جارية حاليا في نيويورك.
في نهاية المطاف، يحتاج العالم إلى إطار ضريبي متعدد الأطراف قوي ودائم (سواء في الأمم المتحدة أو منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أو أي مكان آخر) لاستيعاب قيمة النشاط الاقتصادي المدفوع بالذكاء الاصطناعي أينما حدث. لكن فرض حد أدنى عالمي لضريبة الشركات وإعادة توزيع حقوق فرض الضرائب، على الرغم من ضرورة كل من الأمرين، لن يساعد الحكومات على فرض ضرائب على شركات الذكاء الاصطناعي في الأمد القريب، حيث لم تحقق أغلبها بعد أرباحا تستوجب فرض الضريبة. لهذا السبب، يتجه عدد متزايد من مناطق الاختصاص إلى النظر إلى ما هو أبعد من الضرائب على الدخل الصافي وإدخال ضرائب الخدمات الرقمية على إجمالي الإيرادات.
تدرس أكثر من 20 دولة فرض ضرائب على الخدمات الرقمية أو فرضتها بالفعل، وهذا يستفز التهديدات بفرض تعريفات جمركية انتقامية من جانب الولايات المتحدة. علاوة على ذلك، أصبحت صيغ مختلفة من هذه الضرائب سارية المفعول حاليا أو اقتُرِحَت في عدة ولايات أميركية. في كل هذه الحالات، يدرك صُـنّاع السياسات أن الضرائب على الخدمات الرقمية تمثل صمام تنفيس عظيم القيمة، سواء على المستوى العالمي أو المستوى دون الوطني.
ورغم أن الضرائب على الخدمات الرقمية لا تشكل بديلا طويل الأمد لإصلاح النظام الضريبي العالمي العتيق، فإنها تشكل على الأقل حلا مؤقتا. فهي تثبت صحة المفهوم من خلال تطبيع فكرة كانت تُعتبر راديكالية في السابق، وهي أن حقوق فرض الضرائب يجب أن تتوافق مع مكان وجود المستخدمين، وليس فقط مع المكان الذي تختار فيه الشركات تأسيسها أو ممارسة حيلها المحاسبية. قد لا تكون الضرائب على الخدمات الرقمية الهدف النهائي، لكنها خطوة أولى مهمة وضرورية نحو نظام ضريبي دولي أكثر عدالة.
تتعرض ضرائب الخدمات الرقمية، شأنها شأن الإصلاحات الضريبية المتعددة الأطراف الأوسع نطاقا، لانتقادات شديدة من جانب السياسيين والخبراء الذين يتسمون بقِصَر النظر والذين يصرون على الدفاع عن الوضع الراهن. لكن هؤلاء القادة لا يدركون أن الوضع الراهن غير قابل للاستمرار من الناحيتين المالية والسياسية. كانت هذه هي الحال قبل ظهور الذكاء الاصطناعي، لكنها أصبحت أشد وضوحا مع انتشار هذه التكنولوجيا.
إذا خضعت الأرباح الناتجة عن الذكاء الاصطناعي لذات البنية الضريبية العالمية غير المتكافئة التي سمحت بتقليل الضرائب المفروضة على الأنشطة الرقمية، فمن المحتمل بدرجة كبيرة أن تستمر القوة الهائلة التي اكتسبتها شركات التكنولوجيا الكبرى في الازدياد. هناك أيضا الخطر المتمثل في تحول المقاومة ضد الذكاء الاصطناعي إلى أزمة شرعية، وهذا يعني أن المجتمع قد يخسر فرصة الاستفادة من فوائده المحتملة. الواقع أن سياسات الضرائب على الشركات هي ساحة المعركة التي ستشهد حسم مسألة الفوز بثقة جماهير الناس في هذه التكنولوجيا الجديدة، وفي مؤسساتنا الحاكمة، أو خسارتها.





















