باحدة عبد الرزاق
جاء بلاغ المجلس الوطني لحقوق الإنسان الصادر مساء أمس ليضيف إلى ملف أحداث سبتة معطيات جديدة، لا من زاوية أمنية أو سياسية، وإنما من موقع مؤسسة وطنية مستقلة تعنى بحماية حقوق الإنسان ورصدها، وتتمتع باختصاص وموقع مؤسساتي مختلف عن الحكومة وباقي المؤسسات التنفيذية. ولعل أهمية هذا المستجد لا تكمن فقط في حجم المعطيات التي تضمنها، وإنما في كونه يضع أمام الرأي العام قراءة موثقة لأسباب وخلفيات موجة العبور الجماعي، تتقاطع في جوهرها مع ما سبق أن أعلنته وزارة الداخلية.
فمنذ بداية الأزمة، شددت وزارة الداخلية على أن ما جرى لم يكن مجرد حركة عفوية منفصلة عن سياقها، وإنما سبقتها تعبئة واسعة عبر المنصات الرقمية، غذتها معلومات مضللة ودعوات للتحرك، واستغلت معطيات قانونية وإدارية خارج سياقها، قبل أن تنتقل الدعوات من العالم الافتراضي إلى الميدان.
واليوم، يأتي بلاغ المجلس ليقدم صورة أكثر تفصيلا عن هذا المسار.
فالرصد الذي أنجزه المجلس يكشف عن نشاط رقمي واسع سبق أحداث سبتة ورافقها، إذ تم الوقوف على ثلاث وعشرين مجموعة على فايسبوك تضم أكثر من مليون و86 ألف عضو، كانت تنشر في المتوسط أكثر من ألف و400 تدوينة يوميا، إلى جانب نشاط على منصات أخرى، بما فيها واتساب وتلغرام. ولم يقتصر الأمر على تداول الأخبار والمعلومات، بل امتد إلى التعبئة وتبادل المعطيات العملية المرتبطة بمحاولات العبور.
والأكثر دلالة أن المجلس يرصد كيف جرى توظيف قرار للمحكمة العليا الإسبانية خارج سياقه، وتحويله عبر التداول الرقمي إلى مادة توحي بإمكانية العبور نحو سبتة دون إعادة، قبل أن تتوسع الرسائل المتداولة إلى إشاعات حول فتح الحدود، وهو ما ساهم في خلق مناخ رقمي مشجع على الانتقال إلى المنطقة الحدودية.
ومن هنا تبدأ أهمية التقاطع مع ما أعلنته وزارة الداخلية.
فالحديث عن التضليل لم يعد مجرد توصيف صادر عن مؤسسة أمنية، بل يجد في رصد المجلس معطيات وتفاصيل تكشف كيف اشتغل التضليل فعليا داخل الفضاء الرقمي. والحديث عن التعبئة لم يعد مرتبطا فقط بدعوات عامة، بعدما وثق المجلس مجموعات واسعة الانتشار ومحتويات متواصلة، ورسائل تحث على التوجه إلى مناطق محددة وفي أوقات محددة.
بل إن الرصد امتد إلى ما هو أبعد من التعبئة، حيث تم توثيق تبادل معلومات حول المسالك ونقاط التجمع والتوقيت والمعدات وطرق الوصول، فضلا عن منشورات تعرض خدمات لتسهيل وتنظيم عمليات العبور، مع تسجيل مؤشرات اعتبر المجلس أنها قد تكون مرتبطة بأشكال من الاتجار بالبشر.
وهكذا، فإن المستجد الذي حمله بلاغ المجلس لا يتمثل في تقديم رواية بديلة لأحداث سبتة، بقدر ما يتمثل في كشف طبقات جديدة داخل الظاهرة نفسها: تضليل رقمي يسبق الحدث، تعبئة واسعة، انتقال للمعلومات، تنسيق ميداني، ثم محاولة جماعية للعبور.
واللافت أن هذه العناصر تتقاطع بشكل واضح مع جوهر ما كانت وزارة الداخلية قد أشارت إليه منذ البداية، بما يجعل المعطيات الجديدة الصادرة عن المجلس تضيف إلى فهم الرواية الرسمية بدل أن تنفيها.
والأهم أن الأرقام نفسها تمنح هذا التقاطع وزنا خاصا. فعندما نتحدث عن أكثر من مليون عضو داخل مجموعات رصدها المجلس، وعن آلاف المنشورات المتداولة يوميا، فإننا لا نتحدث عن نشاط هامشي داخل شبكات التواصل الاجتماعي، وإنما عن بيئة رقمية واسعة قادرة على التأثير في السلوك الجماعي، وصناعة الانطباعات، ودفع الأفراد إلى اتخاذ قرارات في العالم الواقعي بناء على معلومات متداولة في العالم الافتراضي.
وهنا تتجاوز أحداث سبتة حدود ملف الهجرة غير النظامية بمعناه التقليدي، لتكشف عن طبيعة جديدة من الأزمات التي تواجه الدول: أزمات تبدأ بمنشور، وتتوسع داخل مجموعة رقمية، وتتحول إلى دعوة، ثم إلى تجمع، قبل أن تجد نفسها أمام أجهزة الدولة على الأرض.
وفي هذه النقطة بالذات تظهر قوة الدولة المغربية.
فالتعامل مع أحداث سبتة لم يكن مواجهة ميدانية مع محاولة عبور فحسب، وإنما كان تعاملا مع ظاهرة مركبة، لها امتدادات اجتماعية ورقمية وأمنية، وتحتاج إلى الرصد والتحليل والتدخل في أكثر من مستوى.
وما يكشفه بلاغ المجلس اليوم هو أن الدولة لم تكن أمام حدث ظهر فجأة في الحدود، وإنما أمام مسار بدأ في الفضاء الرقمي وتدرج نحو الواقع، وهو ما يفسر أهمية التحرك المبكر ورصد المحرضين ومتابعة مصادر الدعوات التي دفعت بالشباب والقاصرين نحو منطقة العبور.
إن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على ضبط الحدود عندما يقع الخطر، وإنما بقدرتها على فهم الخطر قبل أن يتحول إلى واقع، وعلى قراءة التحولات التي تجري في المجتمع والفضاء الرقمي، وعلى تعبئة مؤسساتها المختلفة لمواجهتها.
وهنا يقدم ملف سبتة درسا آخر في معنى الدولة الحديثة: فالأمن لم يعد يعني فقط مراقبة الحدود، وإنما أيضا مراقبة التحولات التي تسبق الحدود؛ والسيادة لم تعد تمارس فقط على الأرض، وإنما أصبحت مرتبطة كذلك بالقدرة على فهم ما يجري في الفضاء الرقمي الذي بات قادرا على تحريك الأفراد والجماعات خلال ساعات.
ولذلك، فإن بلاغ المجلس الوطني لحقوق الإنسان، بما حمله من أرقام ومعطيات وتفاصيل، لا يمثل مجرد إضافة إلى أرشيف أحداث سبتة، بل يكشف، من زاوية مؤسساتية مختلفة، عن حجم التعقيد الذي واجهته الدولة المغربية وعن طبيعة الأدوات التي باتت تستخدم في صناعة موجات الهجرة الجماعية.
لقد كانت سبتة اختبارا لقدرة الدولة على التعامل مع أزمة لا تبدأ عند الحدود، بل تبدأ قبل ذلك بكثير، داخل الهواتف والشاشات والمنصات.
والدرس الأبرز أن الدولة المغربية لم تنتظر أن تتحول المعلومة المضللة إلى واقع يصعب احتواؤه، بل واجهت الظاهرة في امتداداتها المختلفة، أمنيا ومؤسساتيا ورصديا.
إنها دولة لا تكتفي بحماية حدودها، بل تعرف كيف تقرأ ما يحدث قبل الوصول إليها، وكيف تحول الأزمة إلى معرفة، والمعرفة إلى يقظة، واليقظة إلى قدرة على الفعل. فإن امتلاك الدولة للقدرة على الرصد والاستباق والتدخل لم يعد مجرد تفوق أمني، بل أصبح واحدا من أهم مقومات السيادة الوطنية.





















