قلبي يؤلمني….لا أقولها من باب المجاز، ولا طلبًا للتعاطف، وإنما لأنني كلما خرجت من مكتبي، غير البعيد عن بيتي، لأمشي تلك الدقائق التي أصبحت رياضتي الوحيدة، أشعر بأن شيئًا ثقيلًا استقر فوق هذه المدينة.
أمشي بين الناس فلا أكاد أرى وجهًا مبتسمًا. وجوه متعبة، نظرات قلقة، خطوات مسرعة، وأعصاب مشدودة كأن الجميع ذاهب إلى معركة لا يعرف متى بدأت، ولا ضد من يخوضها، ولا كيف ستنتهي.
وأسأل نفسي: ما الذي تغير فينا؟
متى فقد المغربي تلك الابتسامة العفوية التي كانت تسبق كلامه؟ متى أصبح السلام عبئًا، والنظر في وجه الآخر مخاطرة، واللطف سذاجة، والطيبة علامة ضعف؟
عندما زرت الولايات المتحدة، لم تكن ناطحات السحاب ولا اتساع الشوارع أكثر ما لفت انتباهي. ما أثارني حقًا هو اكتشافي أن الناس هناك ما زالوا يبتسمون للغرباء. في نيويورك، تلك المدينة التي لا تنام ولا تتوقف، قد تلتقي عيناك بعيني شخص لا تعرفه، فيبادرك بابتسامة أو تحية قصيرة، ثم يمضي كل منكما في طريقه.
لا يسألك من تكون، ولا ماذا تملك، ولا من أين اشتريت معطفك.
وهناك اكتشفت مفارقة أخرى: نحن المغاربة أصبحنا مهووسين بالمظهر، بينما يبدو كثير من النيويوركيين غير معنيين به إلى هذا الحد. تراهم، نساءً ورجالًا، في سراويل واسعة وملابس بسيطة وأحذية عملية. قد يكون دخل الواحد منهم كبيرًا، وقد يشغل منصبًا مهمًا، لكنه لا يتصرف كما لو كان مطالبًا بأن يحمل سيرته الذاتية فوق جسده.
أما عندنا، فقد تجد شخصًا بالكاد يدبر مصاريف يومه، لكنه يرتب كل تفصيل في لباسه كأنه ذاهب لإلقاء خطاب أمام الكونغرس. لا يفعل ذلك حبًا في الجمال فقط، بل لأننا أصبحنا نخشى نظرة الآخرين أكثر مما نخشى حقيقتنا.
نريد أن نبدو أغنياء ولو كنا غارقين في الديون. نريد أن نبدو ناجحين ولو كنا نعيش الفشل بصمت. نريد أن نقنع الناس بأننا بخير، بينما نحن لا ننام من شدة القلق.
هم أقل انشغالًا بما يرتدونه وأكثر استعدادًا للابتسام، ونحن أكثر انشغالًا بما نرتديه وأقل قدرة على الفرح.
إنها مفارقة تستحق أن نتوقف عندها، لا لنقول إن الغرب أفضل منا أو إن كل ما عند الآخرين جميل، وإنما لنسأل: ماذا حدث لنا نحن؟
الحقيقة أننا نعيش توترًا اجتماعيًا كبيرًا. توترًا لا يظهر في نشرات الأخبار، لكنه يسكن تفاصيل الحياة اليومية: في الطريق، وفي الإدارات، وفي المقاهي، وفي البيوت، وفي مواقع التواصل الاجتماعي. يظهر في طريقة قيادة السيارات، وفي سرعة الغضب، وفي الكلمات الجارحة، وفي استعداد البعض لتحويل أبسط خلاف إلى معركة كرامة.
كل شخص يحمل داخله شيئًا لا يقوله. خوفًا من الغد، أو دينًا لا يعرف كيف يسدده، أو عملًا يخشى فقدانه، أو إحساسًا بالحكرة، أو مقارنة يومية مع صور نجاح الآخرين.
لكن الألم لا يأتي فقط من ضيق العيش، وإنما من انقلاب المعايير.
في زمن مضى، كان الذكي هو المتفوق في دراسته، أو المبدع في عمله، أو الذي يعرف كيف يبني حياته بصبر. كان النجاح يحتاج إلى وقت، والسمعة تحتاج إلى سلوك، والمكانة تُكتسب بالتجربة والاستحقاق.
أما اليوم، فقد أصبح «الذكي» في نظر البعض هو من يعرف كيف يحتال دون أن يُضبط، وكيف يقفز فوق الصفوف، وكيف يبيع الوهم، وكيف يحول العلاقات إلى امتيازات. صار النصاب يُوصف بأنه «قافز»، والانتهازي بأنه «يعرف من أين تؤكل الكتف»، والمتملق بأنه «يعرف كيف يدبر رأسه».
أما النزيه، فيقال عنه إنه ساذج. والمجتهد يُسأل لماذا لم يصبح غنيًا. وصاحب الكفاءة يُلام لأنه لم يتعلم فن الوصول. ومن يرفض بيع ضميره يُعامل أحيانًا كأنه هو الذي لم يفهم قواعد اللعبة.
وهنا لا تنقلب المعايير فقط؛ بل يختل ميزان المجتمع كله.
لأن أخطر ما يمكن أن يصيب أمة ليس أن يظهر فيها النصابون، فكل المجتمعات تعرفهم، وإنما أن يتحول النصب إلى ذكاء في المخيال العام، وأن يصبح الثراء بلا سؤال، والنجاح بلا مسار، والنفوذ بلا استحقاق.
عندما يرى الشاب أن سنوات الدراسة لا تضمن له فرصة، بينما يفتح الاحتيال أبوابًا كثيرة؛ وعندما يرى العامل أن إخلاصه لا يحميه، بينما يتقدم عليه من يجيد التملق؛ وعندما يرى المواطن أن القانون يشتد على الضعيف ويتعثر أمام القوي، فإنه لا يفقد ثقته في الأشخاص فقط، بل يفقد ثقته في معنى الجهد نفسه.
ومن يفقد ثقته في الجهد، يفقد جزءًا من رغبته في الحياة.
ربما لهذا اختفت الابتسامة.
ليست المسألة أن المغاربة نسوا كيف يبتسمون، بل إنهم أصبحوا يدفعون يوميًا ثمنًا نفسيًا باهظًا للبقاء واقفين. إنهم يعيشون بين ضغط الواقع واستفزاز المظاهر، وبين حاجاتهم الحقيقية والصورة التي يطالبهم المجتمع بعرضها.
ولا يمكن لأي مجتمع أن يعيش طويلًا وهو يقيس الناس بما يظهر عليهم لا بما يوجد داخلهم، وبما يملكون لا بما يقدمون، وبقدرتهم على الوصول لا بنظافة الطريق التي سلكوها.
قلبي يؤلمني لأنني لا أريد لبلدي أن يصبح مكانًا يخجل فيه الصادق من بساطته، بينما يتباهى المحتال بغنيمته.
يؤلمني لأننا لا نحتاج فقط إلى مزيد من فرص الشغل والاستثمار والخدمات، على أهميتها، بل نحتاج أيضًا إلى مصالحة أخلاقية مع أنفسنا. نحتاج إلى أن نستعيد احترام العمل، وأن نعيد الاعتبار للكفاءة، وأن نكف عن تقديس المظاهر، وأن نعلّم أبناءنا أن النجاح الذي يقتضي منهم أن يفقدوا أنفسهم ليس نجاحًا.
نحتاج إلى أن نبتسم من جديد، لا ابتسامة الصور والمنشورات، بل تلك الابتسامة العفوية التي تقول للآخر: أراك، وأعترف بوجودك، ولا أخاف منك.
فالمدن لا تموت حين تتقادم بناياتها، وإنما حين تنطفئ وجوه أهلها.
والأوطان لا تُقاس فقط بما تبنيه من طرق وموانئ وأبراج، بل أيضًا بقدرة الإنسان فيها على أن يمشي في الشارع مطمئنًا، وأن ينظر إلى وجه أخيه، وأن يبتسم.
لهذا يؤلمني قلبي.
لأنني أخشى أن نكون قد انشغلنا طويلًا بإصلاح كل شيء، ونسينا أن نسأل عن حال الإنسان.





















