باحدة عبد الرزاق
كثيرا ما كنت، وأنا أتجول في بعض أحياء الدار البيضاء، من محطة أولاد زيان ودرب الكبير ودرب ميلان ورياض الألفة إلى المدينة القديمة، أتساءل عن سر المقاربة المغربية في التعامل مع المهاجرين الأفارقة. لماذا لا يحارب المغرب المهاجر كما تفعل بعض دول الجوار، ولماذا اختار أن يمنح عددا منهم فرصة الإقامة والعمل والاندماج، رغم أن بعضهم دخل البلاد في الأصل بطريقة غير نظامية؟
اليوم، تبدو الإجابة أكثر وضوحا. فالمغرب لا ينظر إلى المهاجر باعتباره خصما، وإنما إلى الهجرة باعتبارها ظاهرة تحتاج إلى تدبير مسؤول. وهذا ما عبر عنه وزير العدل عبد اللطيف وهبي لسكاي نيوز في اخر ظهور، حين أكد أن المغرب أصبح دولة استقرار، وليس مجرد بلد عبور، وأشار إلى أن المغرب منح أكثر من 50 ألف إقامة لمهاجرين أفارقة، وأنه يحارب الهجرة غير النظامية انطلاقا من مسؤوليته عن بلده، وليس خدمة للأوروبيين.
لكن الأهم في كلام وهبي هو تحديده للخصم الحقيقي: العصابات والجهات التي تستغل المهاجر، وتستعمل مواقع التواصل لصناعة الوهم والتحريض.
وهنا تتضح المعادلة: المغرب لا يحارب المهاجر، بل يحارب من يستثمر فيه.
وهذا ما تؤكده أيضا وزارة الداخلية، التي تعاملت مع الدعوات إلى العبور الجماعي نحو سبتة ومليلية باعتبارها تحريضا يستغل قضية الهجرة ويعرض حياة الناس للخطر، فأعلنت جاهزية السلطات، وتوقيف مشتبه في تورطهم في التحريض، مع التشديد على مواجهة شبكات الاتجار بالبشر.
لكن المغرب، وهو يقوم بواجبه، لا يقبل أن يتحول إلى منطقة عازلة تتكفل وحدها بكلفة أزمة تتجاوز حدوده. ولذلك جاء موقف الداخلية واضحا في الدعوة إلى تقاسم المسؤولية مع إسبانيا، خصوصا في قضية القاصرين الموجودين في سبتة.
فالمغرب يريد التعاون مع أوروبا، لكنه لا يريد أن يكون حارسا لحدودها. يريد شراكة متوازنة، لا نقل كلفة الأزمة إلى الضفة الجنوبية.
وفي زمن أصبحت فيه مواقع التواصل قادرة على صناعة الوهم وتحريك الناس نحو المخاطرة، فإن المعركة لم تعد فقط عند الحدود، وإنما تبدأ أحيانا قبل ذلك بكثير، من شاشة هاتف يبيع حلما كاذبا لشاب أو قاصر.
لذلك، فإن المقاربة المغربية ليست حربا على المهاجر، وإنما حرب على استغلال المهاجر. وهي في الوقت نفسه دفاع عن الحدود، وعن حياة الناس، وعن حق المغرب في أن يكون شريكا مسؤولا مع أوروبا، لا مجرد حاجز بشري بين إفريقيا وأوروبا.
المغرب يقوم بدوره.. لكنه لا يقبل أن يؤدي دور الآخرين.





















