هيئة التحرير
قبل أن تفتح صناديق الاقتراع، تفتح عادة أبواب المشاركة. هذه هي القاعدة البسيطة التي يفترض أن تحكم أي استحقاق انتخابي جدي: تحيين اللوائح، تمكين من استوفوا الشروط من التسجيل، معالجة الاعتراضات، ثم تحديد الهيئة الناخبة التي ستشارك في اختيار ممثليها. لكن ما يجري في انتخابات المجلس الوطني للصحافة يضع هذه القاعدة أمام سؤال مشروع: كيف يمكن الذهاب مباشرة إلى الانتخابات، بينما ما تزال فئات من الصحافيين تنتظر أصلا فرصة تسوية وضعيتها المهنية؟
المفارقة أن اللجنة المؤقتة المشرفة على تدبير شؤون المجلس اتجهت إلى تحديد موعد الانتخابات ونشر لوائح الصحافيين المهنيين، في وقت ظل فيه عدد من الصحافيين خارج هذه اللوائح لأسباب لا ترتبط، وفق المعطيات المطروحة، بعدم استيفائهم النهائي لشروط المهنة، وإنما بتعذر حصولهم على البطاقة المهنية خلال السنة الماضية لأسباب مرتبطة بالوثائق أو باستكمال بعض الإجراءات.
وهؤلاء ليسوا حالة هامشية يمكن تجاوزها بجملة إدارية. نحن نتحدث عن صحافيين تعذر عليهم الحصول على البطاقة سنة 2025، ثم استوفوا الشروط خلال 2026، وينتظرون فتح باب تجديد أو تسوية وضعياتهم المهنية. لكن باب البطاقة لم يفتح أمامهم قبل إعداد اللوائح الانتخابية. والنتيجة الطبيعية لذلك أن من كان يمكن أن يصبح عضوا في الهيئة الناخبة لم يمنح، في الوقت المناسب، الفرصة التي تسمح له أصلا بالدخول إليها.
الأمر نفسه يطرح بالنسبة إلى الصحافيين المتدربين الذين حصلوا على بطاقاتهم في 2025، وأصبحوا في 2026 أمام مرحلة جديدة من مسارهم المهني تخولهم، متى استوفوا الشروط القانونية، الانتقال إلى صفة صحافي مهني. هؤلاء أيضا يجدون أنفسهم أمام استحقاق انتخابي انطلق قبل أن تستكمل، بالنسبة إليهم، الخطوات التي تمكنهم من ممارسة حقوقهم المهنية والانتخابية.
وهنا لا يعود النقاش متعلقا بأسماء في لائحة انتخابية، بل بمبدأ أوسع: من يحدد الهيئة الناخبة؟ وهل تحدد قبل أن يستفيد جميع المستحقين من الفرصة القانونية لتسوية وضعيتهم؟
في الانتخابات العامة، لا تبدأ الدولة عادة من الصندوق. تبدأ من الناخب. تفتح اللوائح الانتخابية، يمنح المواطنون آجالا للتسجيل، وتفتح أبواب التصحيح والاعتراض قبل الوصول إلى يوم الاقتراع. المنطق نفسه يفترض أن يحكم أي انتخابات مهنية تمس مؤسسة يفترض أن تمثل الجسم الصحافي بأكمله. فلا معنى لانتخابات تبحث عن الشرعية التمثيلية إذا كانت فئات من المعنيين بها لم تمنح، قبل تحديد الهيئة الناخبة، فرصة استكمال شروط المشاركة.
وهنا تحديدا يبرز السؤال الذي لا يمكن للمهنة أن تتجاهله: لماذا جرى الذهاب إلى الانتخابات أولا، قبل استكمال دورة تسوية الوضعيات المهنية وتحيين الهيئة الناخبة؟
المسألة لا تتعلق بتأخير تقني بسيط، لأن ترتيب الخطوات في أي عملية انتخابية ليس تفصيلا. عندما تغلق اللوائح قبل أن تفتح كل الأبواب أمام من يمكن أن يصبحوا ناخبين، فإن المشكلة تصبح مرتبطة بمصداقية التمثيل نفسه. ومن حق الصحافيين الذين استوفوا الشروط لاحقا أن يعرفوا لماذا لم تمنح لهم فرصة الولوج إلى المسار الانتخابي قبل تثبيت اللوائح.
والأكثر إثارة أن هذا النقاش يأتي في وقت تستعد فيه اللجنة المؤقتة لتنظيم انتخابات المجلس يوم 15 شتنبر، وسط اعتراضات مهنية أخرى على الآجال وطريقة الإعداد وغياب التشاور. لذلك فإن قضية البطاقة المهنية لا يمكن فصلها عن السؤال الأكبر المتعلق بالمسار الذي تقود به اللجنة المؤقتة هذه الانتخابات.
ولا يتوقف الأمر عند الصحافيين. فلوائح الناشرين لم تنشر هي الأخرى، في وقت يفترض فيه أن تكون تركيبة الهيئة الناخبة واضحة بالنسبة إلى أحد المكونات الأساسية للمجلس. والأهم أن هيئتين وازنتين في قطاع النشر، هما الفيدرالية المغربية لناشري الصحف، التي يرأسها محتات الرقاص، والفيدرالية المغربية للإعلام، التي يرأسها كمال لحلو، وتمثلان أكثر من 70 في المائة من المقاولات الصحفية، تطالبان بدورهما بتأجيل الانتخابات.
الانتخابات ليست مجرد تاريخ يعلن ثم يبدأ العد التنازلي للاقتراع. الانتخابات، قبل كل شيء، هي شروط متكافئة للمشاركة، وهيئة ناخبة محينة، ووضوح في القواعد، وإمكانية فعلية لكل من تتوفر فيه الشروط للمشاركة في الاستحقاق. أما القفز مباشرة إلى تحديد الموعد واللوائح، قبل استكمال هذه المراحل، فيجعل المشروع كله عرضة لسؤال مشروع حول مدى اكتمال شروطه المهنية والديمقراطية.
ولهذا لم تعد أصوات الاعتراض محصورة في الصحافيين المعنيين بهذه الوضعيات. فقد لجأت هيئات نقابية ومهنية إلى مراسلة رئيس الحكومة، مطالبة بالتدخل لتصحيح المسار وتأجيل الانتخابات، وفتح المجال أمام مراجعة اللوائح وتسوية الوضعيات المهنية قبل الذهاب إلى الاقتراع.
وهنا تصبح الكرة مرة أخرى في ملعب رئيس الحكومة. ليس المطلوب التدخل في اختيار الصحافيين لمن يمثلهم، ولا فرض تركيبة معينة على المجلس، وإنما ضمان أن يصل الجميع إلى خط البداية بالشروط نفسها. فشرعية المجلس المقبل لا تبنى يوم إعلان النتائج، بل تبدأ من الطريقة التي جرى بها تحديد من يحق له أن ينتخب، ومن أعطي فرصة الترشح، ومن أدرج في الهيئة الناخبة، ومن وجد نفسه خارجها قبل أن تفتح أمامه أصلا فرصة استكمال وضعه المهني.
إذا كان الهدف هو مجلس وطني للصحافة يتمتع بالشرعية والتمثيلية والاستقلالية، فإن الطريق إلى ذلك لا يمكن أن يمر عبر إغلاق الأبواب ثم دعوة الصحافيين إلى الاقتراع. البداية الصحيحة هي أن تفتح كل الأبواب أولا، وأن تستكمل تسوية الوضعيات وتحيين اللوائح، وبعدها فقط تفتح صناديق الاقتراع.




















