باحدة عبد الرزاق
منذ سنوات، يتعرض المغرب لحرب ناعمة متعددة الواجهات، لا تعتمد على الدبابات والصواريخ، وإنما على الأخبار الكاذبة، الحسابات الوهمية، الفيديوهات المفبركة، حملات التشويه، وإغراق مواقع التواصل برسائل سلبية يجري تكرارها إلى درجة تجعلها، في نظر المتلقي، أقرب إلى «حقيقة» أو رأي عام.
المعركة هنا ليست مع منشور أو حساب بعينه، وإنما مع الوعي المغربي نفسه.
التكتيك واضح: صناعة الإحباط، تضخيم الأزمات، التشكيك في المؤسسات، وتقديم صورة لمغرب يعيش الانهيار، مع محاولة التحدث باسم المغاربة عبر حسابات وصفحات مجهولة، وكأن ما ينشر على «السوشل ميديا» يمثل بالضرورة نبض الشارع.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ماذا كان سيحدث لو وجهت هذه الحرب الرقمية الضخمة، بهذا الحجم والاستمرارية، إلى بلد عربي آخر؟
الجواب أن النتائج كان يمكن أن تكون أكثر خطورة بكثير. ففي دول تعاني أصلا من الانقسامات والهشاشة، تستطيع حرب المعلومات أن تتحول بسرعة من مجرد حملات إلكترونية إلى وقود للاستقطاب، وفقدان الثقة، والاحتقان الاجتماعي، وربما إلى أزمات سياسية عميقة.
المغرب، في المقابل، أثبت أن قوته لا تختزل في مؤسساته أو اقتصاده أو حضوره الدبلوماسي، وإنما يمتلك أيضا رأسمالا وطنيا يصعب قياسه بالأرقام: مجتمع متشبث بهويته، وتمغربيت راسخة، وارتباط بمؤسسة ملكية تشكل أحد أهم عناصر الاستقرار والتماسك الوطني.
وهذا هو الجزء الذي لم تستطع الخوارزميات اختراقه.
فقد تستطيع آلاف الحسابات أن تكرر الرسالة نفسها، وقد تستطيع حملات منظمة أن تصنع ضجيجا رقميا هائلا، لكنها لا تستطيع بسهولة أن تصنع داخل المجتمع المغربي شعورا عاما بالهزيمة والانهيار.
وهنا تحديدا فشلت الحرب الناعمة في تحقيق هدفها الأكبر: تحويل الضجيج الرقمي إلى واقع اجتماعي.
لكن المعركة لم تنته.
والخطأ سيكون في التعامل مع الفضاء الرقمي باعتباره مجرد مكان للترفيه. اليوم، «السوشل ميديا» أصبحت ساحة حقيقية للصراع على العقول، ومن يترك هذه الساحة للخبر الكاذب والحساب المجهول، يترك للآخرين فرصة صناعة الرواية بدلا عنه.
لذلك، فإن أقوى سلاح في مواجهة هذه الحملات ليس «ذبابا إلكترونيا» مضادا، وإنما المواطن الواعي، والإعلام المهني السريع، والقدرة على كشف التضليل قبل أن يتحول إلى حقيقة متداولة.
لقد استهدف المغرب بحرب كان يمكن أن تكون مدمرة لبلد أقل تماسكا.
لكن ما أثبتته السنوات الماضية هو أن المغرب لا يحميه فقط ما يملكه من قوة، بل أيضا ما يملكه المغاربة من مناعة وطنية.
وهذه، في زمن الحرب الناعمة، قد تكون أقوى من أي سلاح آخر.





















