ابو سارة/
في الوقت الذي كان فيه الصحافيون ينتظرون أن تفرز نقابتهم العتيدة لائحة تليق بـ”صاحبة الجلالة” لتمثيلهم في المجلس المهني، يبدو أن هواة “الطبخ في الكواليس” أصروا على أن يخرجوا لنا بوجبة “بايتة”، تفوح منها رائحة التعليمات والترضيات التي لا علاقة لها لا بالمهنة ولا بأخلاقياتها.
ما وقع في ذلك الاجتماع الماراثوني الشهير، الذي امتد من منتصف الزوال إلى هزيع الليل، لم يكن دراسة عادية لملفات الترشيح، بل كان أشبه بـ”سوق عكاظ” تُباع فيه المبادئ وتُشترى فيه المقاعد. تخيلوا معي، نقابة يُفترض فيها أن تدافع عن شفافية القطاع واستقلاليته، تتحول إلى غرفة مغلقة تُحاك فيها الصفقات لإقصاء الكفاءات، وتُفصّل فيها لائحة على مقاس “أصحاب الحال” وبتدخلات مفضوحة من خارج الأسوار.
ولعل المضحك المبكي في هذه المسرحية رديئة الإخراج، هو أن تجد في طليعة المرشحين من أحيل على التقاعد، ورغم ذلك يُدفع به لتمثيل المهنيين! وهنا يصبح من حق كل صحافي يمارس المهنة أن يسأل: بوجْه مَن تبررون هذا الترشيح؟ وأي فصول من المعجزات استندتم إليها لإثبات “الممارسة الفعلية” لصحافي ودّع الميدان؟ أم أن شروط الترشيح أصبحت كالعجينة، تُطوّعونها كيفما تشاؤون، تُشهَر بصرامة في وجه المستضعفين، وتُفصَّل بمقاس “إكس لارج” للمحظوظين؟
أما قمة “الكوميديا السوداء” في ذلك الاجتماع، فتجلت حينما طُرح ملف مرشحة معروفة بكونها موضوع مساءلة تأديبية، وتحوم حولها شبهات خرق لأخلاقيات المهنة. في البداية، اعترض من تبقى من الشرفاء على المهزلة، فماذا وقع؟ أصيب أحد كبار “العرابين” بهبوط حاد في السكر، و”سخف” المسكين انفعالاً وحزناً على رفيقته التي كادت تضيع منها الكعكة. ولم تنتهِ القصة هنا، بل تحركت “الهواتف السحرية” لثني الرافضين، وتغيرت المواقف بقدرة قادر، ليتم تمرير ترشيح من يُفترض أن تُساءل في ردهات التأديب لا أن تُمثل الصحافيين في مجالس التقرير!
هل يُعقل أن يُداس النظام الداخلي بهذا الشكل؟ وكيف لمؤسسة أن تقبل مرشحة وسيف التأديب لا يزال مسلطاً على رقبتها؟ أسئلة تم قبرُها تحت ذريعة “التوافقات”، وهي في الحقيقة مجرد إملاءات بئيسة لا تحتمل حتى النقاش.
وكي تكتمل الفضيحة فقد بلغت “تَحْكارّت” ببعض أعضاء النقابة حد تهديد أحد منخرطيها بالطرد من النقابة إذ هو قدم ملف ترشحه للمجلس الوطني للصحافة، رغم أن القانون يكفل له ذلك .
ولأن رائحة “الطبخة” أزكمت الأنوف، لم يجد بعض ذوي المروءة من أعضاء لجنة الترشيحات بداً من الانسحاب، رافضين أن يكونوا شهود زور في عملية اغتيال الديمقراطية الداخلية. ولم تكتفِ “عصابة الكواليس” بهذا، بل امتدت أذرعها لممارسة أبشع أنواع الضغوط على زميلات في الصحافة المكتوبة لثنيهن عن تقديم ترشيحاتهن، في سلوك تحكمي يذكرنا بزمن الرصاص، ليتم تحويل الزملاء والزميلات إلى مجرد “كومبارس” يُستدعى لتأثيث المشهد وإضفاء شرعية مزيفة على لائحة كُتبت أسماؤها بحبر التواطؤ.
في النهاية، قد يعتقد من صاغ هذه اللائحة المعلبة خلف الأبواب المغلقة أنه حسم اللعبة، وأن الصحافيين مجرد أرقام انتخابية أو قطيع سيُساق إلى صناديق الاقتراع للتصلييم على “لائحة التعليمات”. لكنهم ينسون حجم التحول الذي شهده وعي المهنيين، وينسون أن من يملك القلم لا يمكن أن يُصادر صوته.
صحيح أنكم تستطيعون خياطة اللوائح وإقصاء الكفاءات، لكن تذكروا جيداً.. صناديق الاقتراع لا تعترف بالهواتف الليلية، وقد تحمل لكم جواباً ينسف كل حساباتكم.




















