باحدة عبد الرزاق
تتجدد، في المغرب، ليلة ذكرى المولد النبوي الشريف باعتبارها واحدة من أبرز المناسبات الدينية التي تختزن في الوجدان الجماعي للمغاربة معاني المحبة والتعظيم والفرح بمولد خير البرية، صلى الله عليه وسلم، وهي مناسبة تكشف، في الوقت نفسه، عن خصوصية النموذج الديني المغربي الذي حافظ على امتداد قرون على صلة وثيقة بين التدين والاعتدال، وبين محبة الرسول الكريم والاقتداء بسيرته، في ظل إمارة المؤمنين التي ظلت حاضنة للثوابت الدينية وصائنة للخصوصية الروحية للمملكة.
وتكتسب هذه المناسبة، في هذا العام، دلالة خاصة كسائر الأعوام، مع إعلان وزارة القصور الملكية والتشريفات والأوسمة أن أمير المؤمنين، صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، سيترأس إحياء ذكرى المولد النبوي الشريف بالقصر الملكي العامر بمدينة الرباط، ابتداء من مغرب يوم الاثنين 24 غشت 2026، الموافق لـ11 ربيع الأول 1448 هجرية.
ويحضر أمير المؤمنين في هذه المناسبة باعتباره رمزا لوحدة الأمة، وحاميا لثوابتها الدينية، في امتداد لتقليد مغربي عريق ارتبط فيه الحكم الشرعي تاريخيا برعاية الدين والعلم والعلماء، وصيانة المساجد والأوقاف، والحفاظ على وحدة المرجعية الدينية للمجتمع.
وفي المغرب، لا يمثل المولد النبوي مجرد مناسبة عابرة في التقويم الهجري، بل يشكل موعدا سنويا تتجدد فيه صلة المغاربة بسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وتظهر فيه واحدة من أعمق السمات المتجذرة في الوجدان المغربي: محبة رسول الله، عليه الصلاة والسلام.
هذه المحبة لم تبق في حدود المشاعر الفردية، وإنما تحولت عبر الأجيال إلى ثقافة دينية واجتماعية متكاملة، تحملها المساجد والزوايا والمدارس العتيقة والبيوت، وتتجسد في الصلاة على النبي، وقراءة القرآن، واستحضار السيرة والشمائل، وإنشاد المديح النبوي، وتنظيم مجالس الذكر، وتبادل الزيارات، وإحياء صلة الرحم.
وتكشف هذه المظاهر عن طبيعة خاصة للتدين المغربي، تشكلت تاريخيا في إطار المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني، وهي مكونات ارتبطت بالمرجعية الدينية للمملكة في ظل إمارة المؤمنين.
وكان للزوايا حضور بارز في تشكيل هذه الثقافة الروحية، إذ لم تكن الزاوية المغربية مجرد فضاء للذكر والعبادة، وإنما اضطلعت، عبر مراحل تاريخية مختلفة، بأدوار تربوية وعلمية واجتماعية، من تعليم القرآن والعلوم الشرعية، إلى تهذيب السلوك وتزكية النفوس، وتعزيز قيم التكافل والإحسان، وإيواء المحتاجين وعابري السبيل، والإصلاح بين الناس.
ومن داخل هذا التقليد الصوفي السني، نشأت طرق ومدارس روحية متعددة كان لها حضور في تاريخ المغرب، من الشاذلية والقادرية والجزولية والتيجانية والدرقاوية وغيرها، بما يعكس تنوع التجربة الصوفية المغربية مع بقائها مرتبطة، في جوهرها، بمعاني العبادة وتزكية النفس وحسن الخلق والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم.
ولعل من أبرز الشواهد على رسوخ المحبة النبوية في الثقافة المغربية، المكانة التي احتلها الإمام محمد بن سليمان الجزولي وكتابه «دلائل الخيرات»، الذي أصبح على مدى قرون من أشهر كتب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وانتشرت قراءته في الزوايا والبيوت والمساجد، ليصبح جزءا من الذاكرة الروحية المغربية.
ولذلك فإن المولد النبوي في المغرب لا يختزل في مظاهر الاحتفال، وإنما يمثل مناسبة لاستحضار القيم التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي مقدمتها الرحمة، والتسامح، والتآخي، والإحسان، وصلة الرحم، وحسن المعاملة، وتزكية النفس.
وإلى جانب المجالس الدينية والذكر والمديح، تتميز المناسبة بطابع من البهجة والفرح، حيث تستقبلها الأسر المغربية بعادات توارثتها الأجيال، فيحرص كثير من المغاربة على ارتداء لباس تقليدي جديد، بينما تسارع الأسر إلى اقتناء ملابس جديدة لأطفالها، في مشهد يحمل أكثر من دلالة اجتماعية.
فالطفل الذي يرى أسرته تستعد لهذه المناسبة، ويلاحظ مظاهر الاحتفاء بها، ويحصل على لباس جديد، ويعيش أجواء عائلية مختلفة عن الأيام العادية، تتشكل لديه منذ الصغر صورة خاصة عن المولد النبوي ومكانته. وهكذا تتحول المناسبة إلى وسيلة لنقل الذاكرة الدينية والثقافية من جيل إلى جيل، وترسيخ محبة الرسول صلى الله عليه وسلم في وجدان الناشئة.
وتتسع دائرة الفرح لتشمل صلة الرحم، إذ تشكل المناسبة فرصة لزيارة الأقارب، وفتح البيوت أمام أفراد الأسرة، وتبادل التهاني، والاجتماع حول موائد تتقاطع فيها البساطة مع معاني المودة والتآخي. وبذلك تتجاوز ذكرى المولد حدود المناسبة الدينية لتصبح مناسبة اجتماعية تعيد وصل ما قد تباعد من أواصر العائلة، وتمنح صلة الرحم حضورا متجددا في الحياة اليومية.
وهنا تتجلى إحدى خصائص الثقافة الدينية المغربية؛ فالعبادة لا تنفصل عن الأخلاق، والذكر لا ينفصل عن السلوك، والفرح بالمناسبة لا ينفصل عن صلة الرحم والإحسان إلى الآخرين، ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم لا تكتمل إلا باستحضار أخلاقه وقيمه والاقتداء به.
وفي قلب هذا المشهد تبرز إمارة المؤمنين باعتبارها إحدى أعرق الخصوصيات التي تميز الدولة المغربية، وأحد الأطر التي حافظت من خلالها المملكة على وحدتها الدينية واستمرارية مرجعيتها الروحية.
فحضور أمير المؤمنين في المناسبات الدينية الكبرى ليس مجرد حضور بروتوكولي، وإنما يعكس المكانة التي يحتلها الدين في بنية الدولة المغربية، ويجسد استمرار الدور المنوط بإمارة المؤمنين في رعاية الشأن الديني وصيانة الثوابت، بما يحفظ للمغاربة خصوصيتهم الدينية القائمة على الاعتدال والوسطية والارتباط بالمؤسسات الدينية والعلماء والزوايا والتراث الروحي للمملكة.
ومن هنا تكتسب رئاسة جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، لإحياء ذكرى المولد النبوي الشريف بالقصر الملكي بالرباط، دلالتها الأوسع؛ فهي تجسد حضور أمير المؤمنين في مناسبة ترتبط بأعمق مشاعر المغاربة الدينية، وتؤكد استمرار العناية الملكية بالموروث الروحي للمملكة، في إطار المرجعية الدينية التي تجمع المغاربة حول ثوابتهم.
لقد ظل المغرب، على امتداد تاريخه، فضاء تفاعلت داخله المدارس العلمية والزوايا والطرق الصوفية والمجالس الدينية، وأسهمت جميعها في تشكيل وجدان ديني جعل محبة الرسول صلى الله عليه وسلم جزءا أصيلا من الهوية الروحية للمغاربة.
ومن المسجد إلى الزاوية، ومن مجالس العلماء إلى البيوت، ومن كتب السيرة والشمائل إلى المديح النبوي و«دلائل الخيرات»، انتقلت هذه المحبة من جيل إلى آخر، وظلت حاضرة في تفاصيل الحياة الدينية والاجتماعية للمغاربة.
واليوم، ومع ترؤس أمير المؤمنين إحياء ذكرى المولد النبوي الشريف، يلتقي الحاضر بالتاريخ؛ فتستمر مناسبة دينية عمرها قرون في استحضار سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، بينما تستمر إمارة المؤمنين في أداء دورها في صيانة الخصوصية الدينية المغربية ورعاية ثوابتها.























