كان يفترض في انتخابات المجلس الوطني للصحافة أن تكون لحظة لتجديد النخب، واستعادة الثقة، وفتح أبواب التنظيم الذاتي أمام كفاءات صحفية جديدة تحمل تصوراً مختلفاً لمهنة أنهكتها الصراعات والاصطفافات وحسابات الامتيازات.
لكن الأسماء التي رشحتها النقابة الوطنية للصحافة المغربية تضعنا أمام سؤال مقلق: هل نحن أمام انتخابات حقيقية، أم أمام عملية لإعادة تدوير الوجوه نفسها، وتوزيع المواقع داخل الدائرة نفسها، بما يضمن استمرار التوازنات القديمة تحت غطاء مؤسساتي جديد؟
بقدر ما كانت المرحلة تفرض ضخ دماء جديدة، نجد إصراراً غريباً على الاحتفاظ بوجوه ارتبط حضور بعضها، في نظر قطاع واسع من الصحافيين، بمراحل التراجع والانغلاق وفقدان الثقة. وجوه انتقلت بين قيادة النقابة، وتدبير جمعية الأعمال الاجتماعية للصحافيين، والبحث عن مقاعد داخل المجلس الوطني للصحافة، حتى بدا المشهد وكأن المهنة لا تتوفر إلا على عدد محدود من الأشخاص، وأن المؤسسات المهنية أصبحت ملكية بالتقادم.
التنظيم الذاتي ليس ثكنة عسكرية، ولا سلكاً مغلقاً يبدأ فيه الشخص «كابورالاً» وينتهي «جنرالاً». وليس من الطبيعي أن نجد الوجوه نفسها في قيادة النقابة، ثم في جمعية الصحافيين، ثم في المجلس، وكأننا أمام مسار للترقية لا أمام مؤسسات مستقلة يفترض أن تتجدد فيها المسؤوليات وتخضع للمحاسبة.
إن النقابة ليست ممراً إجبارياً نحو المجلس، والجمعية ليست ملحقة تنظيمية بها، والمجلس الوطني للصحافة ليس مكافأة لنهاية الخدمة ولا مقعداً محفوظاً للقيادات التاريخية. هذه مؤسسات مختلفة في وظائفها ومسؤولياتها، ولا يجوز أن تتحول إلى حلقات داخل سلسلة واحدة تتحكم فيها المجموعة نفسها.
والأخطر أن بعض الأصوات تحاول اليوم تخويف الصحافيين من الترشيحات الحرة، عبر الترويج لعودة ما تسميه «تيار البطاقات المهنية والامتيازات». وهي مفارقة تثير السخرية؛ لأن من يتحدثون عن الامتيازات مطالبون أولاً بتقديم حصيلة تدبيرهم، والكشف عن معايير الاستفادة، وتفسير استمرار الأشخاص أنفسهم في التحكم في المؤسسات والتمثيليات والفرص.
لحسن الحظ، يتيح القانون الترشيح الحر، وتلك فرصة ينبغي للصحافيين استثمارها لإسقاط منطق الوصاية. أملنا كبير في أن يذهب المهنيون إلى صناديق الاقتراع بذاكرة مفتوحة، وأن يحاسبوا من كذب عليهم، ومن مارس التضليل، ومن رفع شعارات الاستقلالية وهو يعيد ترتيب المقاعد لفائدة الحلقة نفسها.
المطلوب ليس التصويت ضد أشخاص لمجرد أنهم قدامى، وإنما التصويت ضد احتكار التمثيلية، وضد تحويل الاستمرارية إلى أبدية، والخبرة إلى وصاية، والمؤسسات المهنية إلى مجال مغلق لا يدخله إلا المرضي عنهم.
وهنا تظهر «صفقة الكَرْن»: محاولة بناء مجلس بقرن واحد، ولون واحد، وصوت واحد. لكن وحيد القرن، حين يندفع بلا بصيرة، لا يميز بين خصمه والجدار الذي أمامه. وإذا لم تُستدرك هذه الاختيارات، وإذا لم ينتفض الصحافيون دفاعاً عن حقهم في التعدد والتجديد، فإن «الكَرْن» لن ينطح خصومه فقط، بل قد ينطح المجلس نفسه قبل أن يقف على قدميه.
انتخابات المجلس ليست مناسبة لتقاسم المقاعد، بل لحماية المهنة. وليست معركة بين لائحة وترشيحات حرة، بل اختبار بين من يريد مجلساً مستقلاً لكل الصحافيين، ومن يريد مؤسسة جديدة بوجوه قديمة وعقلية لم تتغير.
فإما أن ينتصر الصحافيون للتجديد والاستقلالية والمحاسبة، وإما أن نستيقظ بعد الانتخابات على مجلس يحمل اسماً جديداً… لكنه يسير بالعقل نفسه، ويتحدث بالصوت نفسه، وينطح المهنة بالقرن نفسه.





















