نجيبة جلال /
من المفارقات التي يصعب على العقل أن يقبلها، أن يكون الصحافي شديداً في محاسبة الدولة، جريئاً في نقد المسؤول، متحفزاً لكشف اختلالات السياسات العمومية، ثم يصبح صامتاً أو متسامحاً حين تنتقل المخالفات إلى داخل بيته المهني.
فالصحافي الذي يطالب الحكومة بالشفافية، والأحزاب بالنزاهة، والمؤسسات بربط المسؤولية بالمحاسبة، لا يمكنه أن يطلب لنفسه حصانة أخلاقية عندما يتعلق الأمر بانتخابات المجلس الوطني للصحافة. ومن يرفع شعار التخليق في وجه الآخرين، يفترض أن يكون أول من يخضع لمقتضياته، لا أول من يبحث عن الممرات الخلفية للالتفاف عليه.
إن امتحان الأخلاق لا يبدأ عندما نكتب عن فساد الآخرين، وإنما عندما تمس المصلحة مواقعنا، وصداقاتنا، وتحالفاتنا وحساباتنا الصغيرة. هناك فقط يتبين الفرق بين من يؤمن بالمبدأ، ومن يستعمله مجرد عنوان تحريري.
ولهذا فإن انتخابات المجلس الوطني للصحافة ليست منافسة عادية على مقاعد داخل مؤسسة مهنية، بل هي امتحان لقدرة الصحافة المغربية على تنظيم نفسها وفق القيم التي تطالب المجتمع والدولة باحترامها. فإذا تسللت إلى هذه الانتخابات الكولسة، والصفقات، وتبادل المصالح، والولاءات السياسية، فإن الضرر لن يصيب لائحة بعينها أو مرشحاً بعينه، بل سيصيب ما تبقى من الثقة في التنظيم الذاتي برمته.
لقد اتجه المشرّع، من خلال القانون الجديد، إلى الفصل بين العمل السياسي والممارسة الصحفية، ليس تضييقاً على حرية الصحافي في امتلاك رأي أو موقف، وإنما حمايةً للمهنة من أن تتحول مؤسساتها إلى امتداد للأحزاب، أو ساحة لتصفية الحسابات، أو غنيمة تُوزع بين شبكات النفوذ.
غير أن القانون، مهما بلغت دقته، لا يستطيع وحده تنظيف بيت لا يريد أصحابه تنظيفه. فالنصوص تضع الحدود، لكن الضمير المهني هو الذي يمنع تجاوزها. وإذا قبل الجسم الصحفي بترشيح أسماء ارتبطت بالكولسة السياسية، أو لاحقتها ممارسات تتعارض مع أخلاقيات المهنة، فإنه لا يخرق فقط روح القانون، بل يهدم بيده الأساس الأخلاقي الذي يستمد منه حقه في نقد الآخرين.
لا يتعلق الأمر هنا بإصدار أحكام مسبقة على الأشخاص، ولا بتحويل الاختلاف المهني إلى محاكم تفتيش. المطلوب أبسط وأشد وضوحاً: أن تخضع جميع الترشيحات لمعايير واحدة، وأن تُفحص الأهلية القانونية والمهنية والأخلاقية بشفافية، وأن تُكشف للرأي العام المهني طريقة الاختيار، بعيداً عن الصفقات المغلقة والتعليمات غير المعلنة.
فلا يمكن لمجلس أُنتج بالكولسة أن يحارب الكولسة. ولا لمؤسسة تسللت إليها الولاءات أن تحمي استقلال الصحافة. ولا لمن استفاد من الصمت عن التجاوزات أن يتحول، بمجرد الفوز، إلى حارس لأخلاقيات المهنة.
القضية، إذن، أكبر من أسماء مرشحين وأوسع من صراع انتخابي عابر. إنها تتعلق بالسؤال الذي يسبق كل الأسئلة: بأي شرعية سيحاسب المجلس الصحافيين إذا كانت الشبهات تحيط بالطريق الذي أوصل بعض أعضائه إليه؟
إن الصحافة التي تريد أن تكون سلطة رقابية مطالبة أولاً بأن تقبل الرقابة على نفسها. ومن يطالب بتخليق الحياة العامة لا يملك الحق في إعفاء حياته المهنية من الأخلاق.
وإذا لم نستطع تنظيف انتخابات بيتنا الصحفي، فبأي حق سنواصل مطالبة الدولة والأحزاب والمؤسسات بتنظيف بيوتها؟





















