في الوقت الذي لا تزال فيه رائحة الرماد تفوح من الغابات وتحديداً في المناطق التي شهدت دماراً واسعاً، ومع استمرار إحصاء مئات الضحايا الذين التهمتهم النيران، تتصاعد أعمدة دخان سياسي أكثر خطورة من الكارثة الطبيعية ذاتها. لقد سارعت الحكومة الجزائرية إلى تبني السردية الجاهزة وإلقاء اللائمة على “أيادي خفية” وجهات مجهولة، في محاولة واضحة لتغطية عجزها الهيكلي الفاضح عن إدارة الأزمة، وهو العجز الذي تجلى للعيان في غياب وسائل الإطفاء الأساسية، مثل طائرات “كانادير”، والضعف الكبير في تكوين وتجهيز فرق التدخل السريع للتعامل مع التضاريس الوعرة.
غير أن قراءة متأنية لخيوط هذه المأساة وتوقيتها، تؤكد أن هذه الحرائق المتزامنة لم تكن سوى عمل مدبر هندسته المخابرات العسكرية الجزائرية بعناية، لتحقيق غاية سياسية أبعد وأخطر.
إن التلويح الرئاسي الأخير والمفاجئ بتطبيق عقوبة الإعدام في حق المتورطين في إشعال الحرائق، وتوجيه الأوامر بتعديل القانون الجنائي بسرعة، يكشف عن النوايا الحقيقية للسلطة الفعلية في البلاد. لم يكن الهدف يوماً حماية الغطاء الغابوي أو ردع المخربين الفعليين، بل إن المؤسسة الاستخباراتية سعت لافتعال هذه الأزمة وخلق حالة من الصدمة والهلع الشعبي العارم. هذه الحالة النفسية الجماعية تم استغلالها كغطاء مثالي لتمرير تشريعات قمعية، وإحياء عقوبة الإعدام المجمدة منذ عقود، تحت ذريعة حماية الأمن القومي ومكافحة ما يوصف بـ “الإرهاب البيئي”.
الرسالة التي تمررها المخابرات الجزائرية من خلال هذا السيناريو الدموي موجهة بالأساس إلى الداخل السياسي؛ حيث يمثل قانون الإعدام العائد من بوابة الكوارث سلاحاً مشرعناً لتصفية الحسابات مع الخصوم.
إن إلباس تهمة “التخريب” و”المساس بأمن الدولة” للمعارضين، ونشطاء الحراك، والقيادات السياسية المزعجة للنظام، بات أسهل من أي وقت مضى في ظل نصوص قانونية فضفاضة ومحاكمات استثنائية. وهو ما يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن النيران التي أكلت الأخضر واليابس، وحصدت أرواح الأبرياء، لم تكن سوى أداة تكتيكية قاسية لتبرير عودة المشانق، وإسكات الأصوات الحرة، وإبقاء البلاد تحت قبضة أمنية لا ترحم تضمن استمرارية النظام بأي ثمن.




















