قالت فاطمة الزهراء المنصوري، عمدة مدينة مراكش ووزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، إن استعادة ثقة الشباب في المؤسسات السياسية تفرض فتح حوار وطني واسع، معتبرة أن عدداً من الظواهر المرتبطة بالشباب لا يمكن اختزالها في بعدها الأمني أو الاجتماعي فقط.
وأوضحت المنصوري، خلال استضافتها في بودكاست “AM+ TALK” الذي أجرته معها منصة AM+، أن ما وصفته بأزمة الشباب يتداخل فيه فقدان الثقة في المؤسسات المنتخبة، وإشكالات التشغيل والتكوين ودور الأسرة والمدرسة، إلى جانب تأثير مواقع التواصل الاجتماعي.
وفي حديثها عن الأحداث المرتبطة بالهجرة نحو سبتة، شددت القيادية في حزب الأصالة والمعاصرة على أن التعامل مع هذه الظواهر يحتاج إلى قراءة أكثر عمقاً، قائلة إن الأمر لا يتعلق فقط بالهجرة أو بالجانب الأمني، بل يرتبط أيضاً بأزمة ثقة يعيشها جزء من الشباب.
وأضافت أن بعض الجهات تستغل القاصرين والأطفال عبر منصات التواصل، محذرة من التلاعب بعقولهم ودفعهم نحو “طريق الموت”، ومؤكدة الحاجة إلى نقاش وطني يضم مختلف المتدخلين من أجل فهم العلاقة بين الأجيال الجديدة والمؤسسات والمجتمع.
ودعت المنصوري الشباب إلى الانخراط في العمل السياسي والمؤسساتي، بدل الاكتفاء بالنقد من الخارج، معتبرة أن التغيير الحقيقي يمر عبر المشاركة وتحمل المسؤولية والمساهمة في صناعة القرار.
وفي الشأن الحزبي، وصفت المنصوري تجربة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة بـ”الإيجابية”، مؤكدة أن الحزب اختار نموذجاً يقوم على العمل المشترك والمؤسسات بدل مركزية الزعيم الواحد.
وقالت إن القيادة الثلاثية، التي تضم إلى جانبها كلاً من محمد المهدي بنسعيد وفاطمة السعدي، تشتغل في إطار مؤسسات الحزب، حيث تُتخذ القرارات عبر المكتب السياسي والمجلس الوطني وبمشاركة التنظيمات الجهوية والمحلية.
وشددت على أن رهان الحزب يتمثل في بناء “حزب المؤسسات لا حزب الزعامة”، معتبرة أن الأشخاص يتغيرون، بينما تبقى الأفكار والمشاريع السياسية.
وبخصوص الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، كشفت المنصوري أن اختيار مرشحي الحزب يقوم على مجموعة من المعايير، في مقدمتها النضال الحزبي والكفاءة والتجربة والشعبية والقرب من المواطنين.
وأبرزت أن حزب الأصالة والمعاصرة قدم سبع نساء كمرشحات في دوائر انتخابية محلية، معتبرة أن الرقم، رغم أهميته، لا يزال محدوداً بالنظر إلى مكانة المرأة داخل المجتمع المغربي.
وقالت إن النساء يمثلن نصف المجتمع ونصف الطاقات والكفاءات، مشددة على ضرورة تعزيز حضورهن في التمثيلية السياسية، خاصة في الدوائر الانتخابية المحلية.
وفي تقييمها للحصيلة الحكومية، اعتبرت المنصوري أن وزراء حزب الأصالة والمعاصرة قدموا حصيلة “إيجابية” رغم الإكراهات التي واجهتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، من تداعيات الأزمات الدولية والحروب وما خلفته من ضغط على الاقتصاد وفرص الشغل.
وأقرت، في المقابل، بأن الحكومة لم تستطع الاستجابة لجميع انتظارات المواطنين، مؤكدة أن أي تجربة حكومية لا يمكنها حل جميع المشاكل، لكنها شددت على أن الحكومة أطلقت أوراشاً وحلولاً ذات تأثير مباشر على حياة المواطنين.
وفي قطاع السكن، توقفت المنصوري عند برنامج الدعم المباشر للسكن، موضحة أن نحو 120 ألف أسرة استفادت من البرنامج خلال سنتين ونصف.
وأضافت أن 32 في المائة من المستفيدين تقل أعمارهم عن 40 سنة، مشيرة إلى حضور مهم للشباب والنساء والمغاربة المقيمين بالخارج ضمن المستفيدين.
وأكدت أن فلسفة البرنامج قامت على الانتقال من دعم المنعش العقاري إلى دعم المواطن مباشرة، عبر منصة رقمية تتيح للمستفيد اختيار السكن الذي يناسبه، مع الحرص على الشفافية وتفادي منطق الزبونية.
ودعت إلى تمديد البرنامج مستقبلاً من خمس إلى عشر سنوات، لتمكين عدد أكبر من المغاربة من الاستفادة، مع التركيز بشكل أكبر على العالم القروي، الذي قالت إن استفادته ما تزال دون الطموحات.
وفي ملف السكن غير اللائق، أكدت المنصوري أن مدينتي العيون والسمارة أصبحتا ضمن المدن الخالية من الصفيح، معتبرة أن معالجة هذا الملف تتطلب التحكم في انتشار البناء العشوائي وإيجاد حلول سكنية جديدة للأسر المعنية.
وقالت إن الحكومة وضعت برنامجاً خماسياً يستهدف نحو 120 ألف أسرة تعيش في أحياء الصفيح داخل المدن، معربة عن أملها في إنهاء الظاهرة داخل المدن في أفق سنة 2028.
وشددت على أن هذا الورش ليس إنجازاً فردياً، بل ثمرة تنسيق بين عدد من القطاعات الحكومية، خصوصاً وزارات إعداد التراب الوطني والداخلية والمالية.
أما بشأن الفوارق المجالية، فاعتبرت المنصوري أن بناء “المغرب الصاعد” لا يمكن أن يتحقق مع استمرار ما وصفته بـ”مغرب بسرعتين”، مؤكدة أن تقليص الفوارق يحتاج إلى إشراك المواطنين والمجتمع المدني والمنتخبين والسلطات المحلية.
وأوضحت أن القرارات التنموية لا ينبغي أن تُفرض من المركز، مشيرة إلى أن تجربتها الحكومية والجماعية اعتمدت على التشاور والإنصات قبل إطلاق البرامج والمشاريع.
وفي حديثها عن تدبير مدينة مراكش، قالت المنصوري إن المدينة تعرف خصوصيات تجعل تسييرها أكثر تعقيداً، باعتبارها مدينة ذات إشعاع دولي تستقبل أعداداً كبيرة من الزوار، إلى جانب ساكنتها، مع ضرورة الحفاظ على هويتها وتراثها ومواكبة متطلبات الحداثة.
وكشفت أن مدينة مراكش أنجزت خلال أربع سنوات 311 مشروعاً بكلفة مالية تجاوزت 12 مليار درهم، مؤكدة أنها تمكنت من تعبئة نحو 9 مليارات درهم من الشركاء للمساهمة في تمويل المشاريع.
وأشارت إلى إعادة تأهيل أكثر من 130 طريقاً داخل المدينة، وإضافة نحو 7200 مكان لركن السيارات، فضلاً عن إدخال 349 حافلة جديدة وتعزيز المساحات الخضراء عبر تأهيل أو إحداث أكثر من 220 هكتاراً.
كما توقفت عند ملف أحياء الصفيح بمراكش، مشيرة إلى أن المدينة كانت تعرف وجود آلاف الأسر في هذه المناطق، وأن نحو 7000 أسرة استفادت من برامج إعادة الإيواء والسكن.
وأكدت أن المدينة حققت تقدماً في مجالات النظافة والنقل والطرق والإنارة وتعزيز المراقبة بالكاميرات، لكنها شددت على أن الأوراش المنجزة لا تزال غير كافية بالنظر إلى مكانة مراكش باعتبارها إحدى الواجهات الرئيسية للمغرب.
وأبدت المنصوري قلقها من استمرار الضغط المرتبط بحركة السير والجولان، مشيرة إلى توقيع اتفاقية لإنجاز طريق محورية من شأنها تخفيف حركة المرور عن وسط المدينة.
وفي حديثها عن الرؤية السياسية لحزب الأصالة والمعاصرة، أكدت أن مشروع “المغرب الصاعد” يضع الرأسمال البشري في صلب أولوياته، معتبرة أن الشباب يمثلون “البداية والنتيجة” في المشروع السياسي للحزب.
وقالت إن المغرب قطع أشواطاً مهمة في مجال البنيات التحتية، وإن المرحلة المقبلة تقتضي الاستثمار بشكل أكبر في الإنسان، وخاصة في تكوين الشباب وتشغيلهم وتشجيع قدرتهم على الإنتاج والابتكار.
وختمت المنصوري حديثها بالتأكيد على أن المسؤولية السياسية لا تقاس بعدد المناصب التي يشغلها المسؤول، وإنما بالأثر الذي يتركه في حياة المواطنين، داعية إلى مشاركة أوسع للشباب في المؤسسات من أجل المساهمة في بناء مستقبل البلاد.




















