ليست المشكلة التي تواجه الأحزاب التاريخية في عمرها، بل في قدرتها على تجديد شباب أفكارها. فالحزب قد يعيش سبعين سنة ويظل حاضراً في عصره، وقد يكون حديث النشأة لكنه يتحدث بلغة تجاوزها الزمن. ومن هذه الزاوية تحديداً، يستحق العمل الذي تقوم به الحركة الشعبية، بقيادة محمد أوزين، قراءة هادئة ومنصفة.
فالحركة الشعبية ليست حزباً طارئاً على الحياة السياسية المغربية. تعود جذور تأسيسها إلى سنة 1957، قبل أن يتم تأسيسها رسمياً في فبراير 1959، في سياق سياسي اتسم بالصراع من أجل التعددية ومناهضة هيمنة الحزب الواحد. وقد خرجت الحركة من عمق المغرب القروي والجبلي، وحملت منذ بداياتها الدفاع عن العالم القروي، والعدالة المجالية، والتعدد الثقافي واللغوي، والوفاء للمؤسسات والثوابت الوطنية.
لقد كانت «السنبلة» واحدة من المدارس السياسية التي رافقت بناء المغرب الحديث، وساهمت، إلى جانب باقي القوى الوطنية، في ترسيخ التعددية الحزبية وبناء المؤسسات. لكنها، مثل أحزاب تاريخية كثيرة، مرت بفترات من الحضور القوي، وأخرى تراجعت فيها قدرتها على التأثير، حتى بدا أحياناً أن رصيدها التاريخي أصبح أثقل من قدرتها على صناعة المبادرة.
وهنا تظهر لمسة محمد أوزين.
منذ توليه الأمانة العامة، نجح أوزين في تحريك حزب بدا، في مرحلة من المراحل، وكأنه اكتفى بالدفاع عن تاريخه. أعاد إليه الحيوية، ورفع من منسوب حضوره في النقاش العمومي، ومنح المعارضة الحركية لغة أكثر سرعة وجرأة وقدرة على التفاعل مع قضايا المجتمع.
يمكن الاختلاف مع محمد أوزين في بعض مواقفه أو اختياراته، فهذا طبيعي في السياسة، لكن من الصعب إنكار أنه أعاد تنشيط الحركة الشعبية. الرجل حاضر، يتحرك، يتواصل، يرافع، ويبحث لحزبه عن مساحة مستقلة وسط مشهد تكاد تطغى عليه المواجهة بين حزبين كبيرين.
والأهم أنه لم يكتف بتنشيط الخطاب السياسي، بل عمل على نقل الحزب من معارضة تكتفي بالتعليق على قرارات الحكومة إلى معارضة تحاول إنتاج البديل. وتقديم الفريق الحركي لأكثر من 150 مقترح قانون خلال الولاية التشريعية الحالية ليس مجرد رقم للاستهلاك السياسي؛ إنه مؤشر على وجود مجهود مؤسساتي أراد الحزب اليوم تجميعه داخل مشروع سياسي متكامل.
من تاريخ الحزب إلى تعاقد قابل للمحاسبة
الوثيقة الجديدة التي قدمتها الحركة الشعبية تحت عنوان «التعاقد الحركي»، وشعار «جا الوقت لتعاقد مجتمعي جديد»، تكشف عن هذا التحول.
فالحزب لم يقدم لائحة سريعة من الوعود، بل وثيقة تضم 14 محوراً و70 إجراءً، في إحالة رمزية إلى ما يقارب سبعين سنة من تاريخ الحركة. والرسالة واضحة: تحويل سنوات المسار السياسي إلى التزامات للمستقبل، وعدم الاكتفاء باستثمار الماضي انتخابياً.
يمتد التعاقد من حماية القدرة الشرائية والأمن الغذائي إلى بناء اقتصاد منتج وجهوي، ومن إنصاف العالم القروي والجبلي والمناطق الحدودية إلى إصلاح الصحة والتعليم والتكوين. كما يشمل التشغيل والشباب والسكن، وتسريع ترسيم الأمازيغية، وتقوية الأسرة وقيم «تمغرابيت»، ومواجهة التغيرات المناخية، وتمكين المرأة، وإنصاف مغاربة العالم والأشخاص في وضعية إعاقة.
ومع ذلك، لا تكمن قيمة الوثيقة في عدد محاورها، بل في محاولتها الحفاظ على الخيط التاريخي للحركة الشعبية. فالحزب لم يتخل عن قضاياه الأصلية حتى يبدو عصرياً، ولم يحبس نفسه داخلها حتى يتحول إلى حزب للماضي. لقد حافظ على العالم القروي والجبل والأمازيغية والعدالة المجالية، لكنه أضاف إليها الأمن الغذائي، والرقمنة، والتشغيل الذكي، والمدن الخضراء، والسيادة الطاقية والصحية، والعدالة المناخية.
هذه هي النقطة الأقوى في العمل: تجديد العرض السياسي من دون قطع الصلة بهوية الحزب.
كما أن بعض المقترحات تلامس مباشرة انشغالات المغاربة، مثل إحداث منصة وطنية لتتبع الأسعار، والحساب الضريبي الاجتماعي للأسر، وإعادة تثمين معاشات المتقاعدين، وإصلاح أسواق الجملة، وإنشاء مخزون استراتيجي بطابع جهوي، وإلغاء ديون صغار الفلاحين، وإقرار «شيك التكوين» لفائدة الشباب، وإحداث «دار المهاجر» في كل جهة.
قد تحتاج بعض هذه الإجراءات إلى تدقيق أكبر في الكلفة ومصادر التمويل والجدولة الزمنية، لكن ذلك لا يلغي أن الحركة الشعبية بذلت مجهوداً حقيقياً للانتقال من العموميات إلى الاقتراح.
أوزين والبروفايل الذي يمكن أن يفاجئ
يمتلك محمد أوزين بروفايلاً سياسياً مثيراً للاهتمام. فهو ليس وجهاً جديداً يحتاج إلى سنوات لفهم الدولة، وليس سياسياً قديماً استسلم للغة الأمس. راكم تجربة حكومية وبرلمانية وحزبية، ويعرف المؤسسات كما يعرف مناطق المغرب العميق التي تشكل الخزان التاريخي للحركة الشعبية.
لديه أيضاً ما تفتقده شخصيات حزبية كثيرة: القدرة على التواصل السياسي. يعرف كيف يصنع الجملة التي تصل إلى الجمهور، وكيف يحول موقفاً برلمانياً إلى موضوع للنقاش العام، وكيف يمنح حزبه حضوراً يتجاوز حجمه العددي داخل البرلمان.
لكن ميزته الأساسية اليوم هي الطاقة. لقد أعاد الحركة إلى الحركة.
لم يعد الحزب يظهر باعتباره مجرد حليف محتمل تحتاجه الأحزاب الكبرى لاستكمال الأغلبية، بل يحاول أن يقدم نفسه بوصفه قوة سياسية لها برنامجها ومرجعيتها وحدودها. وهذا تحول مهم، لأن مستقبل الحركة الشعبية لن يُبنى على موقعها داخل التحالفات فقط، بل على قدرتها على إقناع المغاربة بأنها تحمل عرضاً سياسياً مستقلاً.
محمد أوزين يقوم بعمل جيد، وهذه حقيقة ينبغي الاعتراف بها بعيداً عن الحسابات الحزبية. لقد نشّط التنظيم، وأعاد إلى «السنبلة» بعضاً من وهجها، وحوّل موقع المعارضة إلى ورشة للاقتراح والتحضير للاستحقاقات.
أما الامتحان الحقيقي، فسيكون في قدرة الحزب على تحويل الوثيقة إلى خطاب بسيط يفهمه المواطن، وعلى تقديم مرشحين يجسدون مضمونها، ثم تحديد كلفة الإجراءات وآجال تنفيذها ومؤشرات قياسها. فالتعاقد لا يصبح تعاقداً بمجرد تسميته كذلك، بل عندما يعرف المواطن ماذا سيُنجز، ومتى، وبأي تمويل، ومن سيتحمل مسؤولية التعثر.
ومع ذلك، يمكن القول إن الحركة الشعبية عادت إلى الملعب بأفكار أوضح وبقيادة أكثر حيوية. وبعد سنوات كان يُنظر إليها خلالها باعتبارها حزباً يستند إلى تاريخه، يحاول محمد أوزين اليوم أن يجعل منها حزباً يستثمر ذلك التاريخ لصناعة مستقبله.
لقد حافظ على السنبلة، لكنه أعاد حرث الأرض من حولها. والظاهر أن «جا الوقت» لم يعد مجرد شعار انتخابي؛ بل إعلان من حزب تاريخي بأنه لا يريد أن يبقى مجرد شاهد على المنافسة المقبلة.





















