في القضايا الكبرى، لا تكون الحقيقة دائماً هي الرواية التي تصل أولاً إلى الناس، ولا الصورة التي تنتشر أكثر، ولا الاسم الذي يلتصق بالواقعة حتى يصبح، مع مرور الوقت، بديلاً عن الدليل. أحياناً تبدأ الحقيقة بصورة، ثم تضيع عندما تتزاحم الصور، وتتوارى عندما يعلو صوت الاتهام قبل أن تكتمل عناصر التحقيق.
وفي قضية مقتل الشاب بدر بولجواهل، بدأت الحكاية بصورة لم تكن، للمفارقة، صورة أشرف صديقي.
الصورة الأولى التي انتشرت عقب الجريمة قدمت شاباً ممتلئ البنية، يرتدي قميصاً أبيض، على أنه «ولد الفشوش الذي صفّاها لبدر». ثم، وبسرعة لم ينتبه إليها كثيرون، اختفى ذلك الوجه من مقدمة المشهد، وانتقلت تسمية «ولد الفشوش» إلى أشرف صديقي، ابن رجل أعمال ينتمي إلى أسرة ميسورة.
ومنذ تلك اللحظة، لم يعد أشرف مجرد متهم داخل مجموعة، بل أصبح الاسم والصورة والعنوان. ثم صدر في حقه، يوم 16 أبريل 2024، حكم ابتدائي بالإعدام، قبل أن يدخل الملف مرحلته الاستئنافية، حيث يبدو أن الرواية الأخرى تستعد للظهور.
فقد توصلت «ليكس بريس» بمعطيات تفيد بأن دفاع أشرف صديقي يستعد لتقديم خمسة أدلة أمام الهيئة القضائية خلال المرحلة الاستئنافية، يقول إنها تثبت عدم وجود موكله خلف مقود سيارة «Audi Q8» لحظة دهس بدر، وتدعم براءته من فعل السياقة والدهس المنسوب إليه.
«ليكس بريس» لا تقدم هذه المعطيات باعتبارها حكماً قضائياً سابقاً لأوانه، ولا تتبنى نتائجها قبل مناقشتها أمام المحكمة، لكنها تعرضها لأنها قد تعيد بناء تسلسل ليلة 29 يوليوز 2023 بصورة مختلفة عن الرواية التي استقرت في الرأي العام.
وفق هذه الرواية الثانية، وصل أشرف إلى مطعم «ماكدونالدز» بعين الذئاب رفقة مجموعة من أصدقائه. وأشرف، بوصفه ابن أسرة ميسورة، كان محاطاً بأصدقاء كثيرين؛ وهي دوائر نعرف جميعاً كيف تتسع حول أبناء العائلات المقتدرة، وكيف يختلط داخلها الصديق الحقيقي بمن يقترب طلباً للمصلحة أو الحماية.
وقع الخلاف، ثم تحول إلى اعتداء. وتقول الرواية إن أمين، صاحب القميص الأبيض الذي انتشرت صورته أولاً، ضرب بدر من الخلف، بينما أخرج صديق آخر، قيل إنه ملاكم سابق، قبضة حديدية واستعملها في الاعتداء عليه، ليسقط بدر فاقداً للوعي.
وتثبت الخبرة الطبية إصابة في الجمجمة مصحوبة بنزيف دماغي، ولذلك سيكون على المحكمة أن تبحث في العلاقة بين الإصابات المثبتة طبياً، والأفعال المنسوبة إلى كل فرد من أفراد المجموعة.
بعد ذلك، تقول هذه الرواية إن أشرف لم يبقى في مسرح الصراع بل ابتعد نحو الجهة الأخرى من المرآب وجلس على الرصيف في حالة غير طبيعية بسبب تأثير دواء كان يتناوله.
وهناك صادفه أحد معارفه، فلاحظ حالته ونقله بسيارته إلى منزل أسرته.
وبحسب المعطيات التي توصلت بها «ليكس بريس»، فإن هذا الشخص أدلى بشهادة مكتوبة يؤكد فيها أنه نقل أشرف من محيط المطعم إلى منزله. كما يوجد، وفق المصادر نفسها، حارس ليلي استقبل أشرف عند وصوله إلى البيت، و هو من يشهد أيضا أن بعد ذلك قدم أمين صاحب القميص الابيض بسيارة اشرف ليصطحبه من بيته ….
أمين، صاحب القميص الأبيض، هو من تولى قيادة سيارة «Audi Q8»، حسب عدة شهادات متطابقة. لانه بعد ان فقد المرحوم بدر وعيه، اتفق الاصدقاء التلاث مغادرة المكان و مرت السيارة فوق جسد بدر الذي كان ممدداً على الأرض وفاقداً للوعي.
بهذا المعنى، لا تنفي الرواية وقوع الدهس، لكنها تنازع في هوية السائق، وتطرح أن السيارة مرت فوق بدر أثناء محاولة الفرار، لا تنفيذاً لقرار اتخذه السائق بالعودة لدهسه.
وتضيف الرواية أن أمين أو صاحب القميص الابيض، توجه بعد ذلك بالسيارة إلى منزل أشرف، حيث أخرجه أصدقاؤه من البيت واصطحبوه معهم في اتجاه مراكش. ولم يستعد أشرف وعيه الكامل، بحسب الرواية، إلا بعد الوصول، ليخبره رفاقه بأنه هو من قاد السيارة ودهس شخصاً حتى الموت.
لماذا قد يحمّله أصدقاؤه المسؤولية؟
الجواب قاسٍ في منطقه: لأن أشرف ابن عائلة ميسورة، ولأن بعض رفاقه ربما اعتقدوا أن تورطه سيحرك إمكانات أسرته للدفاع عنه، وأن المظلة التي ستُفتح لحمايته قد تتسع لتشملهم جميعاً.
في هذه الحالة، يكون أشرف طبعا قد دفع ثمن اسمه ووضعه الاجتماعي ورفقة ربما لم تكن ترى فيه صديقاً بقدر ما كانت ترى فيه باباً للنجاة.
أما الأدلة الخمسة التي يرتقب عرضها أمام الهيئة، فمصادرنا تؤكد أنها تقنية بالدرجة الأولى معززة بشهادات و أبحاث أمنية دفيقة …
إن ثبوت هذه العناصر وتطابقها قد يقلب مركز الثقل في القضية؛ لأن وجود أشرف في منزله لحظة مرور السيارة فوق جسد بدر يعني، منطقياً وقانونياً، استحالة وجوده خلف المقود في الوقت نفسه.
لقد بدأت القضية بصورة صاحب القميص الأبيض، ثم أصبح أشرف هو صورة القضية كلها. واليوم، بعد حكم ابتدائي بالإعدام، تعود الصورة الأولى لتطرق باب المحكمة من جديد.
فهل كان أشرف هو السائق فعلاً؟ أم كان في منزله عندما تحركت «Audi Q8» داخل المرآب؟ وهل كان «ولد الفشوش» هو الجاني الذي قاد السيارة، أم الشاب الذي اختاره رفاقه ليدفع وحده ثمن ليلة صنعها الجميع؟
هذه ليست أسئلة إعلامية فقط، بل أسئلة حياة أو موت. والكلمة الأخيرة لن تكون للصورة التي انتشرت أكثر، وإنما للدليل الذي يثبت أمام القضاء.



















