نجيبة جلال /
عاش المغرب، خلال الأسابيع الماضية، على إيقاع تنافس انتخابي حقيقي. ارتفعت حدة الخطاب أحياناً، واختلطت الوعود بالحسابات، وحضرت البرامج إلى جانب الشعارات، كما حضرت المبالغة بجوار الاجتهاد. لكن خلف كل هذا الضجيج، تظل هناك حقيقة لا ينبغي أن تضيع: إننا أمام عملية ديمقراطية تتقدم.
هي بالتأكيد ليست مكتملة، ولا أحد يملك حق الادعاء بأنها بلغت منتهاها. فالديمقراطية ليست بناءً يُنجز مرة واحدة، ولا شهادة تُمنح للدول، بل مسار طويل تُقاس جديته بقدرته على تصحيح أخطائه، وتوسيع المشاركة، وتحويل المواطن من متفرج على السياسة إلى شريك في صناعتها.
لقد قدمت الأحزاب برامجها. وبين أيدينا عشرة برامج تضم 181 التزاماً موثقاً. بعضها جاء دقيقاً ومرقماً، وبعضها اكتفى برسم الاتجاهات الكبرى. بعضها شرح مصادر التمويل، وبعضها ترك الأرقام معلقة بين الطموح والإمكان. هناك وعود قابلة للقياس والمحاسبة، وأخرى تحتاج إلى كثير من التدقيق قبل أن تتحول من لغة انتخابية إلى سياسة عمومية.
وهذا كله قابل للنقاش والنقد. بل يجب أن يُناقش ويُنقد.
لكن، وبرغم كل الملاحظات، قامت الأحزاب بما يفرضه عليها الاستحقاق: دخلت المنافسة، قدمت مرشحيها، دافعت عن حصيلتها أو انتقدت حصيلة غيرها، وخاطبت الناخبين بما تراه مناسباً لمستقبل البلاد.
وفي المقابل، التزمت وزارة الداخلية الحياد الذي يفرضه عليها موقعها ومسؤوليتها. أدارت المسار من موقع المؤسسة، ولم تدخل ساحة التنافس من موقع الطرف. وهذه ليست مسألة إجرائية صغيرة، بل شرط أساسي لكي يكون الاقتراع تعبيراً عن إرادة الناخبين، لا عن رغبة الإدارة.
انتهى تقريباً دور الأحزاب في الكلام، وأدّت الدولة دورها في التنظيم. وبقي الدور الذي لا يمكن لأي حزب أو مؤسسة أن يؤديه بالنيابة عن صاحبه: دور المواطن.
غداً، لن تكون القضية فقط اختيار اسم أو رمز أو لون. القضية هي تحديد من سيحصل على حق التشريع والرقابة وتدبير المال العام خلال خمس سنوات. ومن يرفض الاختيار، لا يلغي النتائج؛ إنه يترك للآخرين حق الاختيار عنه.
فالطبيعة لا تحب الفراغ، والسياسة كذلك.
المقعد الذي لا يحسمه صوت المواطن الواعي، قد تحسمه شبكة المصالح. والقرار الذي لا يشارك المواطن في صناعته داخل صندوق الاقتراع، قد يصنعه آخرون وفق حساباتهم الخاصة. أما المقاطعة، مهما كانت دوافعها مفهومة، فإنها لا تترك الكرسي فارغاً، بل تمنحه لمن استطاع تعبئة أنصاره والوصول بهم إلى الصندوق.
ولهذا، لا يكفي أن نقول إن البرامج ناقصة، وإن الأحزاب لم تقنعنا بما يكفي، وإن السياسة خيبت بعض الآمال. هذه أسباب تدفع إلى الاختيار الأدق والمحاسبة الأشد، وليست أسباباً للتخلي عن الحق وترك الساحة فارغة.
صوتوا لمن تثقون فيه، وعاقبوا من خيب ثقتكم. اختاروا البرنامج الأقرب إلى أولوياتكم، أو المرشح الأكثر نزاهة وكفاءة. لكن لا تتركوا الآخرين يقررون وحدهم شكل البرلمان والحكومة والسياسات التي ستؤثر في معيشتكم وتعليم أبنائكم وصحتكم وفرص عملكم.
الديمقراطية لا تصبح كاملة قبل أن نشارك فيها؛ إنها تكتمل بالمشاركة.
لقد تكلمت الأحزاب، ونظمت الدولة، وحان الآن أن يتكلم المواطن.
وصوته، داخل المعزل، أقوى من كل الخطب.
صوتوا… لأن المغرب يستحق أن يختار أبناؤه مستقبله، ولأن الأوطان لا تُبنى من مقاعد المتفرجين.




















