بيبوكاي باردوي : مديرة مبادرة بريدجتاون والمستشارة الخاصة لشؤون المرونة المناخية بمكتب رئيس وزراء بربادوس، كانت الرئيسة التنفيذية المؤسِّسة للوكالة التنفيذية المعنية بالمرونة المناخية في دومينيكا
عندما نفكر في ثروات أي بلد فإننا نميل عادة إلى رؤيتها من منظور الموارد الطبيعية، والتكنولوجيا، ورأس المال. لكن قدرة هذا البلد على صياغة مستقبله بنفسه، بدلا من أن يتحدد تطوره بشكل أساسي بعوامل خارجية، لا يقل أهمية عن ثرواته.
في السنوات الأخيرة، تسببت عوامل ضغط عالمية كبرى في الدفع بهذه الحقيقة إلى صدارة الاهتمامات. أجبرت جائحة كوفيد-19، وارتفاع أسعار الفائدة، والارتفاع الحاد في أسعار الطاقة، وتفاقم أزمة المناخ، عددا كبيرا من الدول الصغيرة على الدخول في حالة استجابة مستمرة للأزمات. وفي الاقتصادات الأكثر مديونية والأقل تنوعا، تسببت كل أزمة جديدة في تنحية سنوات من التخطيط جانبا، الأمر الذي أدى إلى ظهور دعوات تطالب بزيادة الاستثمار في المرونة والقدرة على الصمود. بيد أن المرونة وحدها لا تكفي، لأن أي دولة من الممكن أن تفعل كل شيء على النحو الصحيح فتنتهي بها الحال رغم ذلك إلى وضع أسوأ إذا كانت تفتقر إلى القدرة الحقيقية على التصرف.
الاختبار الحقيقي للتنمية هو ما إذا كانت تعمل على توسيع نطاق اختيارات البلد وقدراته. هذه هي الرؤية الكامنة وراء مبادرة بريدجتاون التي تقودها بربادوس، والتي تسعى إلى إنشاء نظام مالي أكثر استجابة، وإتاحة تمويل طويل الأجل ميسور التكلفة، وتطوير أدوات أفضل لإدارة الصدمات. هذا هو ما تحتاج إليه الدول للحفاظ على أهدافها الوطنية عند اندلاع الأزمات.
تدرك الدول الصغيرة هذه الحقيقة تمام الإدراك. فانعدام اليقين من منظورها لا يمثل مشكلة عرضية، بل حالة متواصلة. وكانت تفكر في التأهب للتعامل مع الكوارث والاستقلالية الاستراتيجية قبل وقت طويل من تحول هذه المواضيع إلى بنود منتظمة على الأجندة الدولية. لم يكن التحدي قَط القضاء على الضعف تماما، بل الحفاظ على حرية التصرف على الرغم منه. في عالم يتسم بتصاعد التوترات الجيوسياسية والمخاطر المناخية، أثبتت القدرة على التصرف كونها أحد أهم الأصول التي قد تمتلكها أي دولة.
من المفهوم أن يركز الجيل الحالي من مقترحات إصلاح التنمية على توسيع الحيز المالي والسياسي اللازم لمساعدة الدول على تجاوز الأزمات. ومع ذلك، فإن ما يهم في نهاية المطاف هو ما إذا كانت الاستثمارات لتخلف من وراءها مؤسسات أقوى، وخبرات أعمق، وشركات أكثر قدرة على المنافسة، وقدرة أعظم على حل المشكلات المعقدة.
برغم أن النظام الدولي أصبح أكثر فعالية في تمويل المشاريع ــ من الطرق وأنظمة الطاقة إلى المستشفيات والبنية الأساسية الرقمية ــ فإن التنمية لا يمكن اختزالها في سلسلة من الاستثمارات أو بنود في الميزانية العمومية. تكمن المهمة الأصعب في بناء الوسائل اللازمة لتصميم، وتنفيذ، وصيانة، وتوسيع نطاق هذه الاستثمارات.
مثل هذه الدراية لا تقتصر البنية الأساسية. لنتأمل هنا على سبيل المثال تجربة بربادوس في إعادة هيكلة الديون السيادية، وبنود وقف سداد الديون، ومعاملات الديون مقابل المرونة. لم تنشأ أي من هذه الإبداعات عن طريق الصدفة، بل تطلبت الانضباط في الإدارة الاقتصادية على مدار فترة مطولة، وقادة سياسيين راغبين في دعم فِرَق التفاوض عبر سنوات من العمل الشاق الممل، وصُنّاع سياسات طوروا خبراتهم عن طريق التصدي لمشكلات لم تكن لها سوابق واضحة.
ينطبق الدرس ذاته على الاقتصاد ككل. وتسعى بربادوس الآن إلى الاستفادة من عقد من الزمن من الريادة في مجال تمويل مكافحة تغير المناخ، في حين تمضي قُدُما في تنفيذ مبادرات طموحة لدعم الأمن الغذائي، والحماية الاجتماعية، واستقلال الطاقة في الداخل. نحن ندرك أن زيادة سعة تخزين البطاريات والسعي إلى تنفيذ أول مشاريع طاقة رياح على نطاق المرافق العامة في البلاد يتطلب ما يتجاوز كثيرا الخطط التقنية. فهذه الاستثمارات تستلزم التنسيق بين الوزارات، والهيئات التنظيمية، والقطاع الخاص، وجهات التمويل، والمجتمعات المجاورة. ويعتمد النجاح على جمع كل هذه القوى معا لحل الخلافات، وصياغة اتفاقات قابلة للتنفيذ، ومواصلة دفع المشاريع قدما عند ظهور العقبات.
تشير تجارب باربادوس الحديثة ذاتها إلى حقيقة أعرض حول كيفية بناء الخبرة. فالناس يتعلمون بالممارسة، وبالتالي تتعلم المؤسسات من خلال الأشخاص الذين يبنونها ويحافظون عليها. وتُصاغ القدرات من خلال التفاوض على صفقات صعبة، وتنفيذ المشاريع، وإدارة الأزمات، والتعلم من الأخطاء، وتولي مسؤوليات تزداد تعقيدا. والمهارات الفنية مهمة، لكن الحوافز، والثقة، والاستمرارية، وسلطة التصرف، والوقت الكافي للتفكير والتجريب، كلها عوامل مهمة أيضا.
على نحو مماثل، تحتاج البلدان النامية إلى شركات قادرة على المنافسة دوليا، واعتماد تكنولوجيات جديدة، والاستجابة لأسواق متغيرة. تنجح جهود التنمية عندما يعزز القطاعان العام والخاص بعضهما بعضا.
لا قِبَل لأي بلد بتطوير هذه القدرات بين عشية وضحاها، بل تُكتسب من خلال التعرض المتكرر لمواقف عصيبة. فقدت بربادوس مؤخرا رئيسة إدارة مصايد الأسماك، ولا تزال وفاتها محسوسة في مختلف أنحاء القطاع الذي ساعدت في تحويله. كانت تعرف كل صياد تقريبا بالاسم، وأدخلت تكنولوجيات ساعدت في تحديث الأسطول، واكتسبت ثقة مجتمع كان يكافح لاجتذاب المواهب الشابة. ولم تقتصر مساهماتها على الجانب التقني، بل جلبت معها أيضا عشرات السنين من المعرفة المتراكمة، والعلاقات، والحكمة، والمصداقية.
هذه هي غالبا الكيفية التي تعمل بها الذاكرة المؤسسية في الدول الصغيرة. فالخبرة تكمن في الأشخاص قبل أن تصبح جزءا لا يتجزأ من الأنظمة، وإذا غادر أفراد رئيسيون أو توفوا، فقد تنتكس خطة تنمية البلد بالكامل. بالإضافة إلى تنمية المواهب، يتعين على البلدان النامية أيضا أن تعمل على ضمان تحول المعرفة، والعلاقات، والخبرة إلى أصول مؤسسية وليس أصولا فردية.
ينطبق المبدأ ذاته على الدعم الخارجي. تبلغ شراكات التنمية أقصى فعاليتها عندما تعزز قدرة البلد على تحقيق النتائج بنفسه. ولا يجوز للحكومات أن تتعامل مع القوة المؤسسية على أنها مجرد نتاج ثانوي للإصلاح. بل يتعين عليها أن تجعلها هدفا استراتيجيا ضاربا بجذوره في مؤسسات قادرة على صيانة الاستمرارية عبر الدورات السياسية المتعاقبة وتغييرات الموظفين.
إن التركيز على القدرات لا يقلل بطبيعة الحال من أهمية التمويل الميسور التكلفة، أو الوصول إلى التكنولوجيا، أو وجود نظام تجاري يمكّن البلدان الغنية بالموارد ليس فقط من تصدير المواد الخام، بل أيضا من معالجتها، وتصنيعها، والإبداع فيها، على النحو الذي يُـفضي إلى خلق فرص العمل، وتنمية المهارات، والاحتفاظ بقيمة أكبر على المستوى المحلي. لا يمكن فصل القدرة على التصرف عن النظام الأعرض الذي تُـمارَس في إطاره، ولا تزال قيود بنيوية كبرى باقية.
ولكن في وقت حيث تتحدد الأجندة العالمية على نحو متزايد وفقا لدورة ثابتة من المؤتمرات، والقمم، والبيانات، والمبادرات الجديدة، يجدر بنا أن نتوقف قليلا لطرح سؤال أصعب: هل أصبحت البلدان حقا أكثر قدرة على اتخاذ القرارات، وتحقيق النتائج، وتحديد مساراتها بنفسها؟
لا ينبغي قياس نجاح الجيل القادم من إصلاحات التنمية بحجم التمويل الذي يُـحشَد أو الحيز المالي الذي يجري توفيره. بل يجب الحكم عليه أيضا بمدى قدرة البلدان على تحديد أولوياتها الخاصة بدرجة أكبر من التمكن، والاستجابة للتحديات، واغتنام الفرص. إن المقياس الحقيقي للنجاح هو ما إذا كانت البلدان تكتسب ما يلزمها من القدرة والثقة لتشكيل مجريات الأحداث، بدلا من أن تتأثر بها فحسب.




















