دشن التجمع الوطني للأحرار أولى محطاته في المعارضة، اليوم الأربعاء، خلال مناقشة البرنامج الحكومي للفترة 2026-2031 بمجلس المستشارين، بتوجيه انتقادات لاذعة إلى الحكومة الجديدة التي تقودها فاطمة الزهراء المنصوري، معتبرا أن برنامجها يكرس استمرارية السياسات العمومية للحكومة السابقة، ويتخلى عمليا عن شعار «تغيير المسار» الذي رفع خلال الحملة الانتخابية.
واعتبر الفريق التجمعي، في مداخلته خلال الجلسة العمومية المخصصة لمناقشة البرنامج الحكومي الذي قدمته رئيسة الحكومة أمام البرلمان بغرفتيه يوم الاثنين، أن مضامين الوثيقة الحكومية تمثل اعترافا بنجاعة الاختيارات السابقة، خاصة في أوراش الحماية الاجتماعية والدعم الاجتماعي المباشر، وإصلاح قطاعي الصحة والتعليم، ودعم السكن الرئيسي، مؤكدا أن الحكومة الجديدة لن تستطيع تجاوز النتائج التي تحققت في هذه المجالات أو التنكر لها.
وفي أول اختبار له بموقع المعارضة، أعلن التجمع الوطني للأحرار عزمه ممارسة معارضة وصفها بالمسؤولة والبناءة والموضوعية، تقوم على الرقابة والاقتراح وتغليب المصلحة العليا للوطن، معتبرا أن تجربته السابقة في قيادة الحكومة برئاسة عزيز أخنوش تمنحه رصيدا من الخبرة في تدبير الأوراش الوطنية ومواجهة الأزمات.
ولم تقتصر انتقادات الفريق على مضمون السياسات القطاعية، بل امتدت إلى طبيعة الأغلبية الحكومية الجديدة ومدى انسجام مكوناتها. وتساءل المتدخل باسم الفريق عما إذا كان البرنامج المعروض يعكس فعلا مشروعا سياسيا مشتركا بين أحزاب الأغلبية، أم أنه يجسد بالأساس اختيارات الحزب الذي تقود رئيسة الحكومة تجربته، في ظل اختلاف المرجعيات الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية للأحزاب المشاركة.
كما أثار استمرار حزبي التجمع الوطني للأحرار والاستقلال، اللذين شاركا في الحكومة السابقة، ضمن الأغلبية الجديدة، تساؤلات بشأن ما إذا كانت التغييرات في التحالفات ستفضي إلى تحول حقيقي في السياسات والأولويات، أم أنها ستقتصر على إعادة ترتيب موازين القوى داخل الحكومة. واعتبر الفريق أن وصف الحكومة بأنها «حكومة سياسية قوية» لا يكفي لإثبات انسجامها، ما لم يترجم إلى اختيارات واضحة وإجراءات دقيقة وقدرة على تحمل المسؤولية عن النتائج.
وفي ما يتعلق بالقضايا الوطنية، توقف الفريق التجمعي عند التطورات التي شهدها ملف الصحراء المغربية، مشيدا بالمكتسبات الدبلوماسية التي تحققت تحت قيادة الملك محمد السادس، وداعيا الحكومة إلى تعبئة الإمكانيات اللازمة لترجمة الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي إلى تنمية ملموسة بالأقاليم الجنوبية، مع مواصلة اليقظة السياسية والاجتماعية لحماية المكتسبات الوطنية وتعزيز الوحدة الترابية.
وعلى المستوى الاجتماعي، انتقد الفريق ما اعتبره غموضا في مستقبل الدعم الاجتماعي المباشر، مشيرا إلى أن الحزب الذي يقود الحكومة الجديدة تعهد خلال الانتخابات برفع قيمته من 500 إلى 1000 درهم، في حين لم يتضمن البرنامج، بحسب المداخلة، مسارا واضحا لتنفيذ هذا الالتزام. كما سجل غياب جدول زمني مضبوط لإصلاح أنظمة التقاعد التي تهم أكثر من أربعة ملايين مساهم ومنخرط، متوقعا استمرار التأخر في هذا الملف بسبب كلفته السياسية.
وفي قطاع التعليم، اعتبر التجمع الوطني للأحرار أن التعهد بمواصلة تعميم مدارس الريادة يمثل إقرارا بوجاهة الاختيار الذي اعتمدته الحكومة السابقة، داعيا إلى مواصلة رفع ميزانية القطاع. أما في الصحة، فانتقد غياب تصور واضح لدى الحكومة الجديدة، مؤكدا ضرورة استكمال ورش تأهيل 1600 مركز صحي للقرب، ومواصلة بناء المراكز الاستشفائية الجامعية، وتتبع عمل المجموعات الصحية الترابية، وتعزيز الموارد البشرية، بما يضمن عدالة مجالية في الولوج إلى الخدمات الصحية.
اقتصاديا، تساءل الفريق عن الأسس التي ستتيح للحكومة تحقيق الأهداف المعلنة، والمتمثلة في بلوغ نمو اقتصادي بنسبة خمسة في المائة سنويا، وحصر التضخم في حدود اثنين في المائة، وتقليص عجز الميزانية إلى ثلاثة في المائة، وخفض الدين العمومي إلى نحو 62 في المائة بحلول سنة 2031. وانتقد ما وصفه بغلبة الطابع الإنشائي على البرنامج، مقابل غياب مؤشرات دقيقة وأهداف قابلة للقياس وتوضيحات بشأن مصادر التمويل وآجال الإنجاز.
وفي ملف التشغيل، سجل الفريق تراجع الحكومة، وفق قراءته، عن الوعد بإحداث مليون منصب شغل خلال خمس سنوات، واستبداله ببرامج تكوينية وتدريبية تستهدف 100 ألف شاب سنويا. كما دعا إلى استكمال خارطة الطريق السياحية التي أطلقتها الحكومة السابقة، مستحضرا المؤشرات التي أوردتها المداخلة بشأن استقبال 20 مليون سائح وتحقيق عائدات بقيمة 138 مليار درهم سنة 2026، إلى جانب تصدر المغرب الوجهات السياحية الإفريقية لأول مرة.
أما القدرة الشرائية، التي شكلت أحد محاور الحملة الانتخابية للحزب الذي يقود الحكومة، فاعتبر الفريق أن البرنامج لم يقدم تدابير استعجالية كافية لمواجهة ارتفاع أسعار اللحوم والخضر والأسماك وغيرها من المواد واسعة الاستهلاك، مطالبا بالكشف عن خطة واضحة خلال المائة يوم الأولى. كما وصف الإجراءات المتعلقة بالعالم القروي والجبلي بالمحتشمة، وانتقد محدودية ما تضمنه البرنامج بشأن مغاربة العالم، الذين يقدر عددهم بنحو ستة ملايين، في ظل غياب آفاق إجرائية وزمنية واضحة لإدماجهم في السياسات العمومية.
وتطرق الفريق كذلك إلى ملفات تضارب المصالح والإثراء غير المشروع، منتقدا ما اعتبره لجوء بعض مكونات الأغلبية إلى خطاب شعبوي والتنصل من مسؤولية المشاركة في تدبير الحكومة السابقة. وشدد على أن الشركاء السابقين في التدبير الحكومي لا يمكنهم الظهور بمظهر من لا يملكون سلطة القرار، معتبرا أن مثل هذه الممارسات قد تؤثر في ثقة المواطنين بالمؤسسات وتزيد من العزوف عن المشاركة السياسية.
وختم التجمع الوطني للأحرار مداخلته بالتأكيد على أنه لا يتعامل مع التجربة الحكومية الجديدة بمنطق الحكم المسبق بالفشل، لكنه يرى أن البرنامج المعروض لم يرق إلى مستوى تقديم إجراءات عملية وممولة ضمن جدول زمني واضح، معتبرا أن الحكومة أخفقت، في أول اختبار مؤسساتي، في ترجمة مفهوم «الحكومة السياسية» إلى برامج وسياسات ملموسة. وأكد أن المعارضة ستواكب عمل الحكومة بالرقابة والمساءلة، معربا عن أمله في أن تكون نهايات التجربة الحكومية أفضل من بداياتها.



















