هشام البورقي
في الوقت الذي تستعد فيه الدار البيضاء لإطلاق شرطة خاصة بالنظافة، أملا في وضع حد لمشاهد النفايات التي تشوه شوارعها وأحياءها،انتقل النقاش حول هذا المشروع من كيفية محاربة المخالفات في الفضاء العام إلى خلاف داخل المجلس الجماعي بشأن المبادرة والجهةالتي تقف وراءها.
فالمشروع الذي يفترض أن يوحد جهود المسؤولين حول إحدى أكثر القضايا التصاقا بالحياة اليومية للبيضاويين، انتهى بإعلان العمدة نبيلةالرميلي عن قرب انطلاقه، ومغادرة نائبها المفوض له قطاع النظافة، مولاي أحمد أفيلال، الجلسة غاضبا.
وخلال الجلسة الثانية من الدورة العادية لشهر أكتوبر، التي انعقدت صباح يومه الخميس، كشفت الرميلي أن شرطة النظافة أصبحتجاهزة لدخول مرحلة التنفيذ، بعد استكمال الترتيبات اللازمة وتوفير المعدات اللوجيستيكية.
مشروع يراد له أن ينقل تدبير النظافة من مجرد جمع النفايات والتخلص منها إلى مراقبة السلوكيات التي تحول الشوارع والأزقة إلى نقاطلتراكم الأزبال، عبر رصد المخالفات وترتيب الغرامات في حق مرتكبيها.
لا سيما أن الجماعة ستقوم بتعبئة نحو 130 موظفا للقيام بهذه المهمة، موزعين على المقاطعات الـ16، بمعدل ثمانية موظفين لكل مقاطعة،مع إمكانية تعزيز عددهم مستقبلا؛فيما ستشمل المراقبة المواطنين ومنتجي النفايات الذين يعمدون إلى رميها في الأماكن غير المخصصةلذلك، في محاولة لفرض احترام قواعد النظافة وجعل الفضاء العام مسؤولية مشتركة، لا مجرد عبء تتحمله مصالح الجمع والجماعة وحدها.
لكن قبل أن تخرج هذه الشرطة إلى الشوارع لمراقبة الأكياس المرمية وملاحقة المخالفات، وجدت نفسها في قلب خلاف داخل المجلسالجماعي.
إعلان الرميلي عن المشروع لم يمر، بحسب المعطيات المتوفرة، بالشكل الذي كان ينتظره أفيلال، الذي عبّر عن استيائه، مؤكدا أنه صاحبالمبادرة وأنه اشتغل عليها منذ بداية الولاية الانتدابية الحالية. ولم يقف احتجاجه عند حدود الاعتراض، بل غادر الجلسة غاضبا، معتبرا أنالطريقة التي قدم بها المشروع بخست المجهودات التي بذلها طوال الفترة الماضية.
وهكذا، تحولت شرطة النظافة من مشروع يراد له أن يضبط علاقة السكان بالفضاء العام إلى موضوع يكشف بدوره عن حساسية توزيعالأدوار داخل المجلس الجماعي. فحين يتعلق الأمر بمبادرة تمس تدبير قطاع حيوي، لا تتوقف المسألة عند الإعلان عنها، بل تمتد إلىالتنسيق بين المسؤولين، وتحديد المسؤوليات، وطريقة تقديم العمل الجماعي للرأي العام. وهي تفاصيل قد تبدو إدارية في ظاهرها، لكنهاتكتسب أهمية أكبر عندما تطفو الخلافات إلى العلن خلال دورة رسمية للمجلس.
وبعيدا عن الجدل حول صاحب المبادرة، تنتظر الدار البيضاء ما هو أبعد من شرطة جديدة وتجهيزات وموظفين إضافيين. فالمدينة التي تتسعأحياؤها وتتزايد حاجياتها اليومية تحتاج إلى مراقبة فعالة، هذا لا يختلف عليه اثنين..لكنها تحتاج أيضا إلى خدمات منتظمة لجمع النفايات،وتوفير الحاويات، ومعالجة النقاط السوداء، وضمان عدم تحول الغرامات إلى إجراء معزول عن باقي عناصر تدبير القطاع. فمعاقبة من يرميالنفايات في الشارع قد تردع المخالف، لكن أثرها سيظل محدودا إذا لم يجد السكان منظومة متكاملة تساعدهم على احترام قواعد النظافة.
كما أن نجاح التجربة لن تحسمه الأرقام المعلنة وحدها، ولا عدد المخالفات التي ستسجلها الفرق الميدانية، بل ما ستتركه من تغيير فيالمشهد اليومي للمدينة. فالمعيار الحقيقي هو أن تصبح الشوارع أنظف، وأن تتراجع مظاهر الرمي العشوائي، وأن يشعر المواطن بأنالقانون يطبق على الجميع، بالتوازي مع تحسن الخدمات المقدمة له.
وبين خلاف حول المبادرة ورهان على تغيير واقع النظافة، تدخل الدار البيضاء مرحلة جديدة من تدبير فضائها العام. وستكون الأيام المقبلةكفيلة بإظهار ما إذا كانت شرطة النظافة ستنجح في فرض قواعد أكثر صرامة داخل الشوارع والأحياء، أم أن التحدي الأكبر سيظل فيتحويل القرارات المعلنة إلى نتائج ملموسة، يلمسها البيضاويون في تفاصيل حياتهم اليومية.


















