ليست الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026 مجرد منافسة جديدة بين الأحزاب على عدد من المقاعد البرلمانية. فالمشهد الذي يتشكل أمامنا يوحي بأن المغرب مقبل على استحقاق مختلف، تتحكم فيه ثلاثة عناصر متداخلة: قاعدة انتخابية فعلية ليست واسعة، وإعادة ترتيب عميقة لمراكز القوة داخل الأحزاب، وتوجه متصاعد نحو تخليق الحياة السياسية قد يجعل بعض الأسماء خارج السباق قبل أن تبدأ الحملة رسميًا.
لهذا، فإن قراءة الانتخابات المقبلة انطلاقًا من نتائج 2021 وحدها ستكون قراءة ناقصة. فالأرقام السابقة تمنحنا نقطة انطلاق، لكنها لا تخبرنا بالضرورة بمن سيصل إلى خط النهاية، ولا حتى بمن سيسمح له بالوقوف عند خط البداية.
قاعدة انتخابية ضيقة تمنح التنظيم أفضلية على الشعبية
أولى خصائص الانتخابات المغربية أن الكتلة التي تحسم النتائج فعليًا تظل أضيق بكثير من مجموع المواطنين الذين يحق لهم التصويت. فبين غير المسجلين، والممتنعين، والمترددين، وفئات واسعة من الشباب التي لا ترى في الأحزاب تعبيرًا عنها، يصبح التنافس الحقيقي منصبًا على كتلة محدودة نسبيًا من الناخبين.
هذه الحقيقة تغير طبيعة المعركة. ففي انتخابات بقاعدة مشاركة واسعة، تستطيع الموجة الشعبية أن تقلب التوقعات وتدفع بوجوه جديدة إلى المقدمة. أما عندما تكون القاعدة الانتخابية الفعلية محدودة، فإن الأفضلية تنتقل إلى الأحزاب التي تملك تنظيمًا قويًا، ومرشحين محليين معروفين، وشبكات من المنتخبين والأعيان، وقدرة دقيقة على تعبئة ناخبيها يوم الاقتراع.
لهذا لا تكفي الشعبية الرقمية ولا الحضور الإعلامي للفوز. قد يحظى سياسي بملايين المشاهدات، لكنه يخسر أمام مرشح يعرف دواره وحيه وجماعته، ويملك شبكة تضمن وصول أنصاره إلى مكاتب التصويت.
ومن هنا تظل أحزاب التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال قوية، ليس فقط بسبب قياداتها الوطنية، بل بفضل انتشارها الترابي وشبكات منتخبيها. كما يحتفظ كل من الحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي بقدرة على انتزاع مقاعد لا يعكسها بالضرورة حضورهما الإعلامي.
لكن ضيق الكتلة الناخبة يحمل خطرًا سياسيًا أيضًا: إذ قد ينتج برلمانًا قانونيًا كامل الشرعية، لكنه لا يعكس بالضرورة المزاج الواسع للمجتمع، خصوصًا مزاج الشباب الذين باتوا يعبرون عن غضبهم خارج القنوات الحزبية التقليدية.
وهنا يصبح رفع نسبة المشاركة جزءًا من معركة الشرعية السياسية، وليس مجرد تفصيل تقني.
لقجع يدخل المعادلة ويمنح «البام» وجهًا وطنيا لرئاسة الحكومة
التحاق فوزي لقجع رسميًا بحزب الأصالة والمعاصرة، ودخوله مباشرة إلى مكتبه السياسي، ليس حدثًا تنظيميًا عاديًا. فالرجل لا يدخل الحزب بوصفه مناضلًا جديدًا يبدأ مساره من الفروع المحلية، وإنما يدخل حاملًا رصيدًا تقنيًا وسياسيًا وشعبيًا جاهزًا.
لقجع يجمع بين تدبير الميزانية، والإشراف على ملفات استراتيجية، والحضور الرياضي الذي منحه شهرة تتجاوز جمهور السياسة التقليدي. وبذلك حصل «البام» على ما كان ينقصه: شخصية وطنية يمكن تقديمها للرأي العام باعتبارها رجل تدبير ونتائج.
لكن أهمية لقجع لا ترتبط بكونه رئيسًا للحزب. وهنا توجد واحدة من أهم مفاتيح قراءة المرحلة.
فالفصل 47 من الدستور لا يلزم الملك بتعيين الأمين العام أو رئيس الحزب المتصدر للانتخابات، بل ينص على تعيين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها.
معنى ذلك أن فاطمة الزهراء المنصوري تستطيع الاستمرار في قيادة الحزب وتنظيم حملته، بينما يظل فوزي لقجع خيارًا ممكنًا لرئاسة الحكومة إذا تصدر الأصالة والمعاصرة النتائج. فهو ليس مطالبًا دستوريًا بأن يصبح منسقًا وطنيًا للحزب حتى يدخل دائرة الترشيح لرئاسة الحكومة.
ولهذا قد يكون موقعه عضوًا في المكتب السياسي أكثر دلالة مما يبدو. لقد أصبح موجودًا رسميًا داخل الحزب، من دون أن يتحمل بالضرورة كل أعباء الصراعات التنظيمية اليومية. وإذا تصدر «البام»، فسيكون اسمه حاضرًا بقوة عند الانتقال من حساب المقاعد إلى اختيار رئيس الحكومة.
غير أن طريقه ليس خاليًا من المخاطر. فالشعبية التي راكمها في كرة القدم ستتعرض لأول اختبار سياسي مباشر. كما أن دخوله المنافسة سيضعه أمام أسئلة الميزانية والأسعار والضرائب والإنفاق العمومي، وهي ملفات أكثر تعقيدًا وأقل شعبية من الانتصارات الرياضية.
السؤال إذن ليس هل يستطيع لقجع جذب الانتباه، فقد فعل ذلك بالفعل، وإنما هل يستطيع حزب الأصالة والمعاصرة تحويل رأسماله الرمزي إلى أصوات ومقاعد؟
أخنوش: مغادرة رئاسة الحزب لا تعني مغادرة المشهد
سيكون من التسرع قراءة عدم ترشح عزيز أخنوش لولاية ثالثة على رأس التجمع الوطني للأحرار باعتباره انسحابًا نهائيًا من الحزب أو نهاية لدوره السياسي. فأخنوش لم يعلن مغادرة الأحرار، ولم يقطع صلته ببنيته وقياداته ومنتخبيه، بل غادر موقع الرئاسة التنظيمية بعد عشر سنوات أعاد خلالها بناء الحزب ووسّع حضوره الانتخابي والترابي، وقاده إلى تصدر انتخابات 2021.
وانتخاب محمد شوكي، الذي يُعد من الوجوه القريبة من أخنوش ومن تجربته في قيادة الحزب، يؤشر إلى انتقال منظم داخل المنظومة نفسها أكثر مما يعبر عن قطيعة معها. لذلك يظل أخنوش حاضرًا بثقله وشبكاته وتجربته، حتى وإن اختار الابتعاد عن التدبير اليومي للأجهزة الحزبية.
كما يحتفظ أخنوش بميزة لا ينبغي التقليل منها: فهو وجه معروف ومطمئن لدى دوائر اقتصادية واستثمارية دولية، ويمتلك خبرة في مخاطبة الشركاء والمؤسسات والأسواق الخارجية. وفي مرحلة يحتاج فيها المغرب إلى تعبئة الاستثمار، وتعزيز الثقة، وتسريع المشاريع الاستراتيجية، تظل هذه الصورة عنصر قوة يمكن أن يخدم حزبه ويجعله حاضرًا ضمن الخيارات السياسية الممكنة.
ومن الخطأ أيضًا التعامل مع المزاج السائد على مواقع التواصل الاجتماعي باعتباره صورة مطابقة للقاعدة الانتخابية على أرض الواقع. فالمنصات الرقمية ترفع صوت الغاضبين وتضاعف انتشار الانتقادات، لكنها لا تقيس بدقة سلوك الناخبين ولا قدرة الأحزاب على التعبئة يوم الاقتراع. والتفاعل الرقمي، مهما كان واسعًا، لا يتحول تلقائيًا إلى أصوات داخل مكاتب التصويت.
في المقابل، يتوفر التجمع الوطني للأحرار على شبكة من رؤساء الجماعات والبرلمانيين والمنتخبين المحليين الذين راكم عدد منهم تجارب تدبيرية ونقاطًا إيجابية داخل دوائرهم. وفي انتخابات تقوم بدرجة كبيرة على القرب والثقة الشخصية والخدمات والحضور المحلي، قد يكون تقييم الناخب لمنتخبه المباشر مختلفًا تمامًا عن موقفه من صورة الحكومة على المستوى الوطني.
كما أن شخصية أخنوش نفسها لا تختزل في موجة الانتقادات الرقمية. فإلى جانب الكلفة الاجتماعية والسياسية التي تحملها خلال رئاسته للحكومة، يملك الرجل رصيدًا مرتبطًا بالاستقرار في التدبير، وبالاستثمار، وبإطلاق أوراش اجتماعية واقتصادية كبرى في ظرف اتسم بتوالي الأزمات الدولية والجفاف والتضخم.
لذلك، فإن الأحرار لا يدخلون انتخابات 2026 حزبًا فقد قائده وانتهت قوته، بل يدخلونها بقيادة تنظيمية جديدة وبإرث انتخابي ما زال قائمًا. كما أن أخنوش لم يخرج من الحزب، ولا من دائرة التأثير، ولا من دائرة الاحتمال الدستوري. فإذا تصدر الأحرار الانتخابات، فإن رئاسة محمد شوكي للحزب لا تجعله المرشح الوحيد لرئاسة الحكومة؛ إذ يظل من الممكن تعيين أي شخصية من داخل الحزب المتصدر، ومن بينها أخنوش نفسه.
وعليه، لا يبدو أن أخنوش غادر المشهد بقدر ما غيّر موقعه داخله: ابتعد عن الواجهة التنظيمية، لكنه احتفظ بثقله السياسي والاقتصادي والدولي، وبعلاقته مع حزب يملك قاعدة ترابية لا يمكن قياسها بعدد التعليقات الغاضبة أو المنشورات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي.
حزب الاستقلال: قوة انتخابية حقيقية لم تنجح في مغادرة دائرة المسؤولية الحكومية
وسط التركيز على التنافس بين الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار، سيكون من الخطأ التقليل من الوزن الانتخابي لحزب الاستقلال. فقد حصل الحزب على 81 مقعدًا في انتخابات 2021، بفارق محدود عن «البام» الذي حصل على 87 مقعدًا، وعن الأحرار الذي تصدر النتائج بـ102 مقعد.
ويملك الاستقلال عناصر قوة ثابتة: تاريخًا سياسيًا ممتدًا، وهوية حزبية واضحة، وتنظيمًا حاضرًا في مختلف الجهات، وشبكات من المنتخبين والأعيان والنقابيين. كما يستطيع مخاطبة شرائح محافظة وطبقات وسطى وفئات شعبية، ويقوده نزار بركة الذي يجمع بين الخبرة السياسية والتكوين الاقتصادي والتجربة الحكومية.
لكن الحزب يواجه إشكالًا سياسيًا يصعب تجاوزه. فقد حاول، خلال مراحل مختلفة، أن يميز موقعه عن رئيس الحكومة وأن ينأى بنفسه عن الانتقادات التي استهدفت عزيز أخنوش، غير أن هذه المحاولة لم تنجح في إخراجه من دائرة المسؤولية. فالاستقلال ليس حزبًا معارضًا، بل مكون أساسي في الأغلبية الحكومية، يتولى قطاعات مهمة ويشارك في اتخاذ القرارات وفي الدفاع عن الحصيلة الجماعية للحكومة.
لذلك لا يمكنه الاستفادة انتخابيًا من انتقاد أخنوش وكأنه كان خارج التجربة، كما لا يمكن تحميل رئيس الحكومة وحده مسؤولية القرارات التي اتخذتها أغلبية تتكون من ثلاثة أحزاب. وإذا أراد الاستقلال تقديم نفسه بديلًا في انتخابات 2026، فعليه أن يشرح للرأي العام ما الذي سيغيره فعلًا إذا تصدر النتائج.
لكن مرة أخرى، يجب الحذر من اعتبار التعبيرات المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي مقياسًا نهائيًا لشعبية الحزب أو نزار بركة. فالمنصات الرقمية ربما تكشف اتجاهات ومشاعر حقيقية أو تكون تعبيرات لحملات رقمية من المنافسة، لكنها لا تمثل بالضرورة جميع الناخبين، ولا تعكس التوزيع الجغرافي والاجتماعي للقاعدة الانتخابية. كما أنها تتأثر بالحملات المنظمة، والخوارزميات، وكثافة النشر، وبحضور فئات لا تشارك جميعها في الاقتراع.
قد يبدو حزب ما ضعيفًا رقميًا لكنه يحتفظ بشبكات محلية قادرة على تعبئة الناخبين، وقد يتصدر حزب آخر النقاش على المنصات من دون أن يملك المرشحين والتنظيم الضروريين لتحويل ذلك الحضور إلى مقاعد. والاستقلال تحديدًا من الأحزاب التي يكون وزنها على الأرض، داخل الجماعات والدوائر والشبكات التقليدية، أكبر أحيانًا من حجم حضوره الرقمي.
لذلك، فإن قياس فرصه لا ينبغي أن يقوم على التعليقات والمنشورات وحدها، بل على قوة مرشحيه، وتماسك تنظيمه، وقدرته على المحافظة على منتخبيه واستقطاب أسماء جديدة، ثم على نظرة الناخبين إلى تدبير مسؤوليه محليًا وحكوميًا.
الاستقلال إذن منافس جدي، وقد يقترب من الصدارة أو يصبح القوة المرجحة في بناء الأغلبية المقبلة. لكنه لن يستطيع خوض الانتخابات بقدم داخل الحكومة وقدم في المعارضة. قوته التاريخية والتنظيمية تمنحه فرصة حقيقية، غير أن نجاحه سيبقى مرتبطًا بقدرته على تحمل نصيبه من الحصيلة الحكومية، ثم تقديم عرض سياسي يميزه عن شريكيه من دون التنصل من المسؤولية المشتركة.
العدالة والتنمية ورهان العودة من بوابة الغضب
أما حزب العدالة والتنمية، فقد يدخل انتخابات 2026 بمنطق مختلف. فهو لا يدافع عن حصيلة حكومية حالية، بل يراهن على تحويل الغلاء والبطالة وضعف الثقة في المؤسسات الوسيطة إلى تصويت عقابي.
الحزب الذي انهار من 125 مقعدًا سنة 2016 إلى 13 مقعدًا سنة 2021 ما زال يمتلك قاعدة تنظيمية منضبطة وحضورًا رقميًا وقدرة على التعبئة، فضلًا عن حضور عبد الإله بنكيران الذي ما زال يحتفظ بتأثير على جزء من الناخبين.
وضيق القاعدة الانتخابية قد يخدم العدالة والتنمية؛ لأن الأحزاب ذات القواعد العقائدية والمنضبطة تستفيد عادة من ضعف المشاركة أكثر من الأحزاب التي تعتمد على جمهور واسع لكنه غير مضمون الحضور.
غير أن العودة لا تعني بالضرورة استعادة الصدارة. فذاكرة عشر سنوات من قيادة الحكومة لم تختفِ، كما أن جزءًا من الناخبين لم ينسَ الخلافات الداخلية والتنازلات التي أضعفت الحزب.
الأقرب أن العدالة والتنمية قادر على استعادة كتلة برلمانية معتبرة، وربما قيادة المعارضة، لكنه يحتاج إلى موجة انتخابية كبيرة جدًا حتى يعود مباشرة إلى المرتبة الأولى.
الاتحاد الاشتراكي: حضور انتخابي قد يفوق صداه الإعلامي
دخل الاتحاد الاشتراكي انتخابات 2021 بـ34 مقعدًا، وهي نتيجة أكدت أن الحزب ما زال قادرًا على الحفاظ على موقع برلماني مهم، رغم تراجع الوهج التاريخي لليسار وضعف حضوره داخل النقاش الجماهيري مقارنة بالماضي.
وتكمن قوته أساسًا في خبرته الانتخابية، وانتشاره داخل عدد من الدوائر، وقدرته على استقطاب مرشحين محليين، فضلًا عن مرونته في بناء التحالفات. غير أن الحزب لا يبدو، في وضعه الحالي، قادرًا على خلق موجة وطنية تقوده إلى صدارة الانتخابات، بسبب غياب خطاب سياسي جامع يميزه بوضوح عن بقية الأحزاب.
ومرة أخرى، لا يمكن قياس وزن الاتحاد الاشتراكي من خلال مواقع التواصل الاجتماعي وحدها. فقد يكون حضوره الرقمي محدودًا، بينما يحتفظ بعض مرشحيه بعلاقات محلية وشبكات انتخابية تسمح لهم بالفوز داخل دوائرهم.
لذلك، قد لا يكون الاتحاد الاشتراكي مرشحًا لقيادة الحكومة، لكنه يظل مؤهلًا ليصبح قوة مرجحة في تشكيلها، خصوصًا إذا جاءت نتائج الأحزاب الثلاثة الأولى متقاربة واحتاج الحزب المتصدر إلى حليف متوسط يضمن له أغلبية مستقرة.
الحركة الشعبية: قوة ترابية هادئة
حصلت الحركة الشعبية على 28 مقعدًا سنة 2021، وتستمد قوتها من حضورها في العالم القروي والمناطق الجبلية، ومن امتدادها داخل عدد من الجماعات وشبكات المنتخبين المحليين، إضافة إلى عمقها الأمازيغي والتاريخي.
ولا يظهر هذا الثقل دائمًا في النقاش الإعلامي أو على مواقع التواصل الاجتماعي، لأن جانبًا مهمًا من القاعدة الانتخابية للحركة يوجد في مناطق ودوائر تُحسم فيها الانتخابات بالقرب اليومي والثقة الشخصية والروابط المحلية أكثر مما تحسمها الحملات الرقمية الكبرى.
وقد منح محمد أوزين الحزب حيوية خطابية وإعلامية أكبر، لكنه ما زال أمام تحدي توسيع حضوره خارج معاقله التقليدية والتحول من قوة قروية وترابية إلى عرض سياسي وطني قادر على مخاطبة المدن والشباب والطبقة الوسطى.
وعلى غرار الاتحاد الاشتراكي، لا تبدو الحركة الشعبية مرشحة لتصدر الانتخابات، لكنها تستطيع الحفاظ على كتلة برلمانية مؤثرة تجعلها شريكًا مطلوبًا في بناء الأغلبية المقبلة. ففي مشهد متقارب ومجزأ، قد تصبح مقاعد حزب متوسط أكثر حسمًا من الفارق الضئيل بين الحزب الأول والثاني.
تخليق الحياة السياسية قد يغير لوائح المرشحين
العامل الأكثر حساسية في انتخابات 2026 قد لا يكون انتقال الناخبين من حزب إلى آخر، بل احتمال عدم وصول بعض المرشحين أصلًا إلى الاقتراع.
فالتوجه العام يسير نحو تشديد شروط الترشح وربط العملية الانتخابية بتخليق الحياة السياسية، بعدما شهدت الولاية الحالية تجريد عدد من النواب من عضويتهم بسبب إدانات أو مخالفات انتخابية وقانونية.
والقواعد الجديدة للتخليق لا تقتصر فلسفتها على يوم التصويت، بل تمتد من مرحلة إيداع الترشيحات إلى الحملة والاقتراع ثم ممارسة الانتداب. وقد أصبح النقاش حول التزكيات ونوعية المرشحين جزءًا مركزيًا من الاستعداد لانتخابات 2026،
لكن يجب التمييز بين ثلاثة مستويات مختلفة.
الأول هو المنع أو فقدان الأهلية بناءً على مقتضيات قانونية أو أحكام قضائية. والثاني هو رفض السلطات المختصة لترشيح لا يستوفي الشروط، مع بقاء حق المعني بالأمر في الطعن أمام القضاء. أما الثالث فهو قرار الحزب نفسه بعدم منح التزكية لشخص تحوم حوله شبهات، حتى إن لم يصدر في حقه حكم نهائي.
والأرجح أن تلجأ الأحزاب إلى المستوى الثالث قبل المستويين الآخرين. فالحزب الذي يقدم مرشحًا مثقلًا بالملفات والشبهات يخاطر بسمعته، وقد يجد نفسه لاحقًا أمام إسقاط المقعد أو إعادة الانتخابات أو تحمل كلفة فضيحة سياسية.
لذلك قد نشهد عملية «تنظيف وقائي» للوائح: مرشحون كانوا يُعتبرون مضمونين انتخابيًا قد يُستبعدون لأن كلفتهم الأخلاقية أصبحت أكبر من رصيدهم الانتخابي.
لكن التخليق لا ينبغي أن يتحول إلى إدانة بالشبهة أو إلى أداة لتصفية المنافسين. فالشبهة الإعلامية ليست حكمًا قضائيًا، والاتهام غير المثبت لا ينبغي أن يتحول وحده إلى مانع قانوني. نجاح هذا الورش يتطلب معايير معلنة، وقرارات معللة، وحقًا فعليًا في الطعن، وتطبيقًا متساويًا على جميع الأحزاب والمرشحين.
الهدف هو حماية المؤسسات من الفساد، لا استبدال قرينة البراءة بقرينة الاشتباه.
ماذا يمكن أن يغير استبعاد بعض الأسماء؟
في قاعدة انتخابية ضيقة، يمكن لاستبعاد عدد محدود من المرشحين الأقوياء أن يغير نتائج دوائر بأكملها، بل أن يؤثر في ترتيب الأحزاب واسم الحزب الذي سيتصدر الانتخابات.
فالانتخابات المغربية لا تقوم كلها على التصويت للعلامة الحزبية. في دوائر كثيرة، يصوت الناخب للشخص وعائلته وشبكته المحلية قبل أن يصوت للحزب. وإذا فقد حزب مرشحه
الأقوى بسبب مانع قانوني أو قرار بعدم تزكيته، فقد ينتقل جزء من كتلته الانتخابية إلى حزب منافس يحمل إليه مرشحًا بديلًا.
وهنا ستواجه الأحزاب اختبارًا حقيقيًا: هل هي مؤسسات قادرة على إنتاج مرشحين من داخلها، أم مجرد أوعية انتخابية تتنقل بينها الأسماء ذاتها؟
إذا نجحت عملية التخليق، فقد تفتح الباب أمام نخب جديدة ومرشحين أقل ارتهانًا للمال والنفوذ المحلي. أما إذا اقتصرت على إبعاد بعض الأسماء مع استمرار منطق استقطاب الأعيان، فسنكون أمام تغيير للأشخاص لا لمنظومة الانتخابات.
سيناريوهات الأغلبية المقبلة
المشهد الحالي لا يسمح بإعلان فائز مسبقًا، لكنه يسمح بتحديد أربعة أقطاب رئيسية:
الأصالة والمعاصرة يدخل برصيد لقجع وشبكة ترابية قوية، ويملك لأول مرة شخصية يمكن تصورها بوضوح على رأس الحكومة.
التجمع الوطني للأحرار يدخل بماكينة انتخابية وازنة وحضور قوي في الجماعات، لكنه سيخوض أول اختبار كبير بعد انتقال القيادة من أخنوش إلى محمد شوكي.
حزب الاستقلال يملك فرصة حقيقية للتقدم إذا نجح في تقديم نفسه بديلًا عن شريكيه داخل الأغلبية، وليس مجرد امتداد لهما.
أما العدالة والتنمية فيراهن على استعادة الناخب الغاضب وعلى ضعف المشاركة، وقد يصبح القوة الرئيسية في المعارضة أو أحد مفاجآت الاقتراع.
خلف هذه الأحزاب توجد قوى لن تتصدر على الأرجح، لكنها قد تحسم بناء الأغلبية: الاتحاد الاشتراكي، والحركة الشعبية، والتقدم والاشتراكية، ثم الاتحاد الدستوري. وفي ظل برلمان لا يستطيع فيه حزب واحد بلوغ الأغلبية المطلقة، قد يكون الحزب الرابع أو الخامس أكثر تأثيرًا في تشكيل الحكومة من الفارق العددي بين الحزب الأول والثاني.
انتخابات من يصل إلى خط البداية
لهذا قد تكون انتخابات 2026 مختلفة عن سابقاتها. فهي ليست فقط انتخابات من سيفوز، بل انتخابات من سيترشح، ومن ستمنحه الأحزاب التزكية، ومن سيجتاز شروط الأهلية، ومن سيحافظ على مقعده بعد الاقتراع.
ولأن القاعدة الانتخابية الفعلية ليست واسعة، فإن كل تغيير في لائحة المرشحين قد تكون له آثار مضاعفة. ولأن الملك يستطيع تعيين رئيس الحكومة من داخل الحزب المتصدر، وليس بالضرورة من قيادته الرسمية، فإن الأسماء التي توضع اليوم داخل المكاتب السياسية قد تكون أهم من الشعارات التي سترفع غدًا في الحملة.
فوزي لقجع أصبح خيارًا ممكنًا إذا تصدر «البام». وعزيز أخنوش لم يعد رئيسًا للأحرار، لكنه لم يخرج دستوريًا بالضرورة من دائرة الاختيار إذا تصدر حزبه. ونزار بركة يقود حزبًا لا يفصله الكثير عن المرتبتين الأولى والثانية. أما العدالة والتنمية، فينتظر أن يحول الغضب إلى أصوات.
لكن فوق كل هذه الحسابات يظل السؤال الأكبر: هل ستنجح انتخابات 2026 في توسيع قاعدة المشاركة وتجديد النخب واستعادة الثقة، أم ستعيد توزيع المقاعد داخل الكتلة الانتخابية المحدودة نفسها؟
الجواب لن يحدد فقط اسم الحزب الأول أو رئيس الحكومة المقبل. بل سيحدد ما إذا كانت الانتخابات ستشكل لحظة سياسية جديدة، أم مجرد إعادة ترتيب للكراسي داخل المشهد القديم.





















