في العلاقات بين الدول، لا تكفي المصالح المشتركة وحدها لمحو آثار التاريخ. قد تتغير الحكومات، وتتسع المبادلات التجارية، وتتطور الشراكات الأمنية، لكن بعض الصور الذهنية تظل حاضرة في الخطاب السياسي والإعلامي لسنوات طويلة. ولعل العلاقة المغربية الإسبانية تقدم نموذجاً واضحاً لهذه المفارقة: تعاون متزايد بين دولتين تجمعهما مصالح استراتيجية عميقة، يقابله استمرار خطاب داخل بعض الأوساط الإسبانية يستحضر المغرب من خلال ذاكرة قديمة لم تعد تنسجم تماماً مع واقع المنطقة اليوم.
لا يتعلق الأمر، بطبيعة الحال، بعداء إسباني شامل تجاه المغرب، ولا يمكن اختزال الموقف الإسباني في اتجاه واحد. فداخل الدولة والمجتمع الإسبانيين أصوات سياسية واقتصادية واجتماعية تدرك القيمة الاستراتيجية للشراكة مع الرباط. لكن في المقابل، ما زالت تيارات أخرى تتعامل مع عدد من الملفات بمنطق تشكل منذ نهاية الحقبة الاستعمارية، خصوصاً الصحراء والبوليساريو والصيد البحري وسبتة ومليلية والهجرة.
ومن هنا تبدو سنة 1975 أكثر من مجرد تاريخ في العلاقات المغربية الإسبانية؛ إنها نقطة ما زالت تلقي بظلالها على جزء من النقاش الإسباني حول المغرب.
المغرب الذي تغيّر وإسبانيا التي لم تتغير بالكامل
خلال العقود الخمسة الماضية، تغير المغرب على مستويات عدة. تطورت بنيته الاقتصادية، واتسع حضوره في إفريقيا، ونوع تحالفاته الدولية، وعزز قدرته على الدفاع عن مصالحه، وأصبح أكثر وضوحاً في التعامل مع قضايا السيادة والموارد والوحدة الترابية.
في المقابل، ما زالت بعض الخطابات الإسبانية تستحضر صورة مختلفة للمملكة؛ صورة ترتبط بمغرب ما قبل التحولات الكبرى التي عرفتها المنطقة، وتفترض أن مدريد أو أوروبا تملكان دائماً هامشاً واسعاً لفرض شروطهما على الرباط.
هذه الفجوة بين واقع المغرب اليوم والصورة التي يحملها جزء من الخطاب الإسباني تفسر جانباً من التوترات التي تظهر كلما دخل البلدان في أزمة.
فكل حادث جديد قد يتحول، لدى بعض وسائل الإعلام والتيارات السياسية، إلى مناسبة لإعادة فتح ملفات قديمة، وكأن العلاقة بين البلدين لم تتقدم منذ نهاية القرن الماضي.
المصالح تقول شيئاً آخر
المفارقة أن الأرقام الاقتصادية والتعاون الأمني يقدمان صورة مختلفة تماماً.
فإسبانيا والمغرب أصبحا مرتبطين بشبكة واسعة من المصالح التجارية والاستثمارية، كما بات التعاون في مكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية والأمن البحري ضرورة عملية بالنسبة إلى الطرفين.
وبلغت المبادلات التجارية بين البلدين نحو 22.7 مليار يورو خلال 2024، ما يعكس حجم التشابك الاقتصادي الذي أصبح من الصعب فصله عن أي قراءة مستقبلية للعلاقات الثنائية.
إسبانيا، في الواقع، تحتاج إلى المغرب كشريك استراتيجي، والمغرب بدوره يدرك أهمية علاقته بإسبانيا باعتبارها جاراً أوروبياً وشريكاً اقتصادياً وأمنياً رئيسياً.
لكن المصالح لا تلغي وجود خلافات عميقة، كما أن الشراكة الرسمية لا تعني بالضرورة اختفاء جميع المواقف الرافضة لها داخل المجتمع الإسباني.
عندما دخلت البوليساريو إلى السياسة الإسبانية
ربما يكون ملف الصحراء المثال الأكثر وضوحاً على استمرار أثر الماضي.
بعد انسحاب إسبانيا من الصحراء سنة 1975، لم ينته حضور القضية داخل المجتمع الإسباني. بل تطورت، على مدى عقود، شبكة واسعة من الجمعيات والبلديات والنقابات والفعاليات السياسية التي دعمت جبهة البوليساريو وتبنت خطاباً يقوم على فكرة المسؤولية التاريخية الإسبانية تجاه الصحراء.
ومع الوقت، تجاوز هذا الدعم حدود العمل الجمعوي وأصبح حاضراً داخل المؤسسات السياسية نفسها.
وهنا تحولت قضية خارجية إلى عنصر من عناصر السياسة الداخلية الإسبانية. فالحكومة قد تتبنى موقفاً براغماتياً تجاه المغرب، بينما تستمر أحزاب أو تيارات أو جمعيات في معارضة هذا التوجه والدفاع عن أطروحات البوليساريو.
وتزداد الصورة تعقيداً بسبب الدور الجزائري في النزاع، إذ تستضيف الجزائر قيادة البوليساريو ومخيمات تندوف وتوفر للجبهة دعماً سياسياً وعسكرياً. ومع ذلك، يغيب هذا العامل أحياناً عن بعض النقاشات الإسبانية التي تقدم النزاع باعتباره مواجهة مباشرة بين المغرب وجبهة انفصالية.
غالي.. لحظة كشفت عمق الأزمة
جاءت أزمة إبراهيم غالي في 2021 لتكشف إلى أي حد يمكن للملف أن يؤثر في العلاقات الثنائية.
استقبال زعيم البوليساريو في إسبانيا لتلقي العلاج، في ظروف اتسمت بالسرية واستخدام هوية مستعارة، أثار غضب الرباط، خصوصاً أن العملية تمت من دون تنسيق مسبق مع المغرب.
ولم تكن حساسية القضية بالنسبة إلى المغرب مرتبطة بعلاج غالي في حد ذاته، وإنما بالطريقة التي تمت بها العملية وبالرسالة السياسية التي حملتها في ظرف كانت فيه الثقة بين البلدين هشة.
بعد ذلك بفترة قصيرة انفجرت أزمة الهجرة في سبتة، فتحولت الحدود إلى ساحة مواجهة سياسية غير مباشرة، وأصبح واضحاً أن الخلاف بين الرباط ومدريد يتجاوز حادثاً ظرفياً أو ملفاً منفرداً.
الصيد البحري.. حين تتعارض المصالح مع الذاكرة
يقدم قطاع الصيد البحري وجهاً آخر للمشكلة.
لسنوات طويلة، استفادت سفن إسبانية، خصوصاً في مناطق الأندلس وغاليسيا وجزر الكناري، من الولوج إلى المياه المغربية. وكان استمرار هذا النشاط بالنسبة إلى عدد من المناطق الساحلية الإسبانية مسألة اقتصادية واجتماعية تتجاوز مجرد الاتفاقيات التجارية.
لكن المغرب بدأ ينظر إلى موارده البحرية من زاوية مختلفة. لم تعد المياه المغربية مجالاً مفتوحاً للاستغلال التقليدي، بل أصبحت جزءاً من سياسة أوسع تهدف إلى حماية الثروة البحرية وتطوير القطاع الوطني وربط استغلال الموارد بمصالح الاقتصاد المغربي.
ومن هنا ظهرت الخلافات حول الرخص والحصص والمقابل المالي ومجال تطبيق الاتفاقيات.
وانتهاء اتفاق الصيد سنة 1999 ترك أثراً واضحاً في بعض الأوساط الإسبانية، خصوصاً تلك التي كانت تعتمد على النشاط البحري المرتبط بالمياه المغربية.
لكن من المنظور المغربي، لم يكن الأمر سوى ممارسة لحق سيادي طبيعي: الدولة تحدد كيفية استغلال مواردها وشروط الاستفادة منها.
من البحر إلى المحاكم الأوروبية
لم تقتصر معركة البوليساريو على المجال السياسي، بل انتقلت أيضاً إلى القضاء الأوروبي.
فالجبهة سعت إلى الطعن في الاتفاقيات التي أبرمها الاتحاد الأوروبي مع المغرب، خصوصاً اتفاقيات التجارة والصيد، في محاولة لاستبعاد الصحراء ومياهها من نطاق هذه الاتفاقيات.
وانتهى بروتوكول تنفيذ اتفاق الصيد في يوليوز 2023، قبل أن تصدر محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي في أكتوبر 2024 أحكاماً بشأن اتفاقيتي 2019.
وتكتسب هذه المعركة أهمية خاصة بالنسبة إلى إسبانيا، لأن جزءاً مهماً من الأسطول الإسباني كان مستفيداً من الاتفاقيات المتعلقة بالصيد.
وهنا تظهر مفارقة لافتة: فالمواقف السياسية الداعمة للبوليساريو يمكن أن تنتهي إلى الإضرار بمصالح اقتصادية إسبانية مباشرة.
2022.. حين اختارت مدريد الواقعية
بعد أزمة 2021، بدا أن الحكومة الإسبانية وصلت إلى قناعة مفادها أن العلاقة مع المغرب تحتاج إلى إعادة بناء على أسس جديدة.
وفي مارس 2022، أعلن رئيس الحكومة بيدرو سانشيز أن مبادرة الحكم الذاتي المغربية تمثل الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية للتوصل إلى حل للنزاع حول الصحراء.
وفي أبريل من السنة نفسها، اتفق البلدان على خارطة طريق تقوم على الحوار الدائم والاحترام المتبادل وتجنب الإجراءات الأحادية.
كان التحول مهماً، لكنه لم ينهِ الخلاف داخل إسبانيا.
فموقف سانشيز واجه انتقادات من أحزاب معارضة وقطاعات داخل المشهد السياسي، كما أثار اعتراضات لدى داعمي البوليساريو.
أما الجزائر، فردت باستدعاء سفيرها وتعليق معاهدة الصداقة مع إسبانيا، في خطوة عكست بوضوح ارتباط الملف بالتنافس الاستراتيجي بين الجزائر والمغرب.
لماذا تعود الأزمة عند كل حادث؟
إذا كان مستوى العلاقات الرسمية قد تطور، فلماذا تستعيد بعض الأزمات الخطاب القديم نفسه؟
الجواب يكمن جزئياً في أن بعض الملفات لم تُغلق في الوعي السياسي والإعلامي الإسباني.
فعند حدوث أزمة مرتبطة بالهجرة أو الحدود أو الصحراء، تعود مفردات مثل «الضغط» و«الابتزاز» و«التهديد» إلى الواجهة في بعض المنابر، ويتم تقديم المغرب أحياناً من خلال زاوية أمنية أو سياسية ضيقة.
وهذا لا يعكس بالضرورة موقف الدولة الإسبانية ككل، ولا يختصر المجتمع الإسباني الذي تربطه بالمغرب علاقات إنسانية واقتصادية وثقافية متشعبة.
لكنه يكشف وجود تيار لم يتكيف بالكامل مع التحول الذي طرأ على موقع المغرب في محيطه الإقليمي والدولي.
سبتة ومليلية.. عقدة لم تُحل
تظل سبتة ومليلية من أكثر الملفات حساسية في الذاكرة السياسية بين البلدين.
فهما بالنسبة إلى المغرب جزء من أراضيه التي ما زالت تحت الإدارة الإسبانية، بينما تعتبرهما إسبانيا مدينتين تابعتين لها.
وعندما تضاف إلى ذلك ملفات الهجرة والمراقبة الحدودية والأمن، تصبح المدينتان نقطة احتكاك دائمة يمكن أن تتداخل فيها اعتبارات السيادة مع المصالح الأمنية والاقتصادية.
وهنا أيضاً تظهر المشكلة نفسها: التعامل مع المغرب باعتباره مجرد جار جنوبي، في حين أن الرباط أصبحت تتعامل مع ملفي سبتة ومليلية والهجرة ضمن رؤية أشمل للسيادة والعلاقات الثنائية.
المشكلة الحقيقية ليست في الاختلاف
لا توجد علاقة بين دولتين متجاورتين تخلو من المصالح المتعارضة.
المغرب وإسبانيا يختلفان حول ملفات كثيرة، كما أن لكل طرف حساباته الوطنية والإقليمية. وهذا أمر طبيعي في العلاقات الدولية.
لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الخلاف مبنياً على صورة قديمة للطرف الآخر.
المغرب لا يرفض الشراكة مع إسبانيا، بل يسعى إلى علاقة مستقرة وقوية، لكن على أساس الندية واحترام المصالح المتبادلة.
وهذا يعني أن مرحلة التعامل مع المملكة بمنطق ما بعد الاستعمار لم تعد قابلة للاستمرار.
فالمغرب الذي كان في 1975 مختلفاً عن المغرب الذي يتفاوض اليوم مع مدريد وبروكسيل وواشنطن وبكين والعواصم الإفريقية.
منطق جديد لعلاقة قديمة
بعد نحو نصف قرن من المسيرة الخضراء، لم يعد السؤال الأساسي هو ما إذا كانت هناك خلافات بين المغرب وإسبانيا. هذه الخلافات ستظل قائمة، كما هو الحال بين معظم الدول المتجاورة.
السؤال الأكثر أهمية هو ما إذا كان جزء من المجتمع السياسي والإعلامي الإسباني مستعداً لمراجعة الصورة التي يحملها عن المغرب.
فالحكومات تتغير، والاتفاقيات تتبدل، والمصالح الاقتصادية تتوسع، لكن الأفكار لا تتغير بالسرعة نفسها.
ومن هنا يمكن تفسير استمرار بعض مظاهر التوتر: إسبانيا الرسمية قطعت أشواطاً مهمة نحو شراكة استراتيجية مع المغرب، لكن جزءاً من النقاش الداخلي الإسباني ما زال يعيش في زمن آخر.
ذلك الزمن الذي بدأ قبل 1975 واستمر في إنتاج تصورات عن المغرب لم تعد تتطابق مع الواقع.
أما المغرب اليوم، فقد تغير.
والسؤال الذي تطرحه المرحلة المقبلة ليس ما إذا كان على الرباط أن تعود إلى قواعد الماضي، وإنما ما إذا كانت بعض الأوساط الإسبانية ستنجح أخيراً في التعامل مع المغرب كما هو الآن، لا كما كان في ذاكرتها.





















