في برنامجه «نخرجو ليها ديريكت»، الذي يبث كل يوم سبت على موقع «برلمان.كوم»، طرح الزميل عبد العزيز الرماني، مدير الموقع، تساؤلات بشأن قدرة الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري على مواجهة الملفات الاجتماعية والاقتصادية المتراكمة، في ظل استمرار عدد من الوزراء الذين تحملوا المسؤولية في حكومة عزيز أخنوش، وتزايد انتظارات المواطنين بشأن القدرة الشرائية والتشغيل والصحة والتعليم والعدالة المجالية.
ويرى الرماني أن تولي امرأة رئاسة الحكومة لأول مرة في تاريخ المغرب يشكل حدثا سياسيا ورمزيا بارزا، غير أنه يشدد على أن أهمية هذا التحول لا ينبغي أن تحجب حجم التحديات التي تنتظر الفريق الحكومي الجديد. ويعتبر أن المعيار الحقيقي لتقييم التجربة لن يكون طبيعة الأسماء التي التحقت بالحكومة أو التي احتفظت بمناصبها، بل قدرة الوزراء على تقديم أجوبة عملية عن المشكلات التي تؤثر في الحياة اليومية للمواطنين.
وفي هذا السياق، يلفت الرماني إلى استمرار عدد من أعضاء الحكومة السابقة ضمن التشكيلة الجديدة، معتبرا أن هذا المعطى يطرح سؤال المسؤولية عن الحصيلة الماضية ومدى قدرة الحكومة الحالية على تصحيح الاختلالات التي رافقت تنفيذ السياسات العمومية. ويرى أن الوزراء الذين استمروا في مناصبهم لا يمكنهم التنصل من نتائج المرحلة السابقة، مثلما لا ينبغي تحميل المسؤولية لطرف سياسي واحد، ما دامت أحزاب الأغلبية قد تقاسمت تدبير الشأن الحكومي.
ولا يحصر الرماني تقييمه في السنوات الخمس الأخيرة، بل يمده إلى تجربة الحكومات السابقة، بما فيها حكومتا حزب العدالة والتنمية، معتبرا أن عددا من المشكلات الراهنة هو نتيجة تراكمات سياسية واقتصادية واجتماعية. ويرفض، في هذا الإطار، منطق «عفا الله عما سلف» الذي ارتبط بعبد الإله بنكيران، مشددا على أن المسؤولية الحكومية تقتضي مواجهة الاختلالات القائمة بدل الانشغال بالتنافس على المناصب. ويستحضر الرماني الآية الكريمة المتعلقة بالأمانة التي أبت السماوات والأرض والجبال حملها وأشفقن منها، داعيا الوزراء إلى استحضار ثقل المسؤولية باعتبارها تكليفا قبل أن تكون تشريفا.
ويعتبر الرماني أن التشكيلة الحكومية الجديدة تبدو، من حيث طبيعة الاستمرارية داخلها، أقرب إلى تعديل حكومي منها إلى انطلاقة سياسية مختلفة بالكامل، وكأن الوزراء الجدد جاؤوا لاستكمال ما بدأه أسلافهم. لكنه ينوه بحضور النساء، معتبرا أنه يشكل مكسبا يستحق التقدير، كما يرى أن الاهتمام بالذكاء الاصطناعي والسيادة الغذائية يفتح المجال أمام توجهات جديدة في تدبير بعض القطاعات. وفي المقابل، يشدد على أن الحكم على أداء الوزراء الجدد يظل سابقا لأوانه، وأن تقييم كفاءتهم ينبغي أن يستند إلى ما سيحققونه من نتائج ملموسة خلال الأشهر الأولى من عملهم.
وفي معرض حديثه عن الظرفية الاقتصادية، يستحضر الرماني معطيات مرتبطة بتدهور مستوى معيشة الأسر تحت ضغط غلاء الأسعار، محذرا من انعكاسات تقلبات الأسواق الدولية على الاقتصاد الوطني. ويشير إلى ارتفاع أسعار النفط في السوق الدولية، متوقعا أن تنعكس هذه التطورات على أسعار المحروقات بالمغرب، وهو ما يطرح، بحسبه، سؤال التدابير التي ستعتمدها الحكومة للتخفيف من آثار الصدمات الخارجية على المواطنين.
ويقترح الرماني دراسة إمكانات المعالجة الضريبية لتخفيف كلفة المحروقات، بالنظر إلى وزن الضرائب في السعر النهائي، كما يدعو إلى تنويع مصادر التزود بالطاقة واستكشاف الفرص التي يمكن أن تتيحها العلاقات الاقتصادية للمغرب مع شركائه الدوليين. ويستحضر في هذا الصدد إمكانات التعاون مع روسيا، في ضوء التطورات المرتبطة بتجارة النفط الروسي، إلى جانب العلاقات التي تجمع الرباط بأبوظبي، معتبرا أن تنويع الخيارات يستحق الدراسة في إطار المصالح الاقتصادية للمملكة والشروط التجارية والقانونية المعمول بها.
ولا يقف الرماني عند المحروقات، بل يدعو إلى وضع خطة اقتصادية متكاملة تتناول التضخم وسعر الفائدة والبطالة، مع الاستعانة بخبراء اقتصاديين من خارج الحكومة لتوسيع دائرة التشخيص والبحث عن حلول عملية. ويرى أن هذه الملفات مترابطة، وأن آثارها لا تقتصر على المؤشرات الاقتصادية الكبرى، بل تمتد إلى القدرة الشرائية للأسر وتكاليف الإنتاج والاستثمار وفرص الشغل.
وفي ما يتعلق بالعدالة المجالية، ينتظر الرماني أن يقدم البرنامج الحكومي توضيحات بشأن كيفية تنزيل التوجهات الملكية الرامية إلى تقليص الفوارق بين الجهات والأقاليم، وبين المجالين الحضري والقروي. ويشدد على أن رصد الميزانيات وإطلاق المشاريع لا يكفيان وحدهما، ما لم ينعكس ذلك على تحسين الخدمات الأساسية والبنيات التحتية وفرص التنمية في المناطق التي تعاني الخصاص.
ويربط الرماني تحسين موقع المغرب في المؤشرات الدولية، خاصة تلك المتعلقة بالتنمية البشرية والفقر والتعليم، بمدى قدرة الحكومة على تطوير أداء منظومتي الصحة والتعليم وحسن توظيف الاعتمادات المالية المخصصة لهما. ويدعو إلى اعتماد منهجية تقوم على تحديد مكامن الخلل في كل قطاع، وإحالة الملفات على الوزراء المعنيين، ومطالبتهم بتفسير أسباب النتائج المسجلة وتحديد الإجراءات اللازمة لتحسينها.
وعلى مستوى التمثيلية الحكومية، يعبر الرماني عن تحفظه بشأن مدى الاقتراب من المناصفة، معتبرا أن تولي امرأة رئاسة الحكومة كان يقتضي حضورا أوسع للنساء داخل التشكيلة الحكومية. كما يثير غياب وزارة مستقلة مكلفة بالإعلام، بالنظر إلى أهمية هذا القطاع في مواكبة التحولات التي يعرفها المجتمع، إلى جانب ملاحظته عدم تخصيص تمثيلية حكومية مستقلة لمغاربة العالم.
ومن الملفات التي يضعها الرماني ضمن الاختبارات المطروحة أمام الحكومة ظاهرة التسول، التي يشير إلى أن تقديرات غير رسمية ترفع عدد ممتهنيها إلى نحو مئتي ألف شخص. ويصف الرقم بالمقلق، محذرا من تحول بعض مظاهر التسول إلى أنشطة منظمة ترتبط بشبكات إجرامية. ويرى أن مواجهة الظاهرة تستدعي خطة شاملة ودائمة تجمع بين المقاربة القانونية والأمنية والاجتماعية، مع تنسيق عمل القطاعات المعنية، من الداخلية والصحة والحماية الاجتماعية إلى التضامن والأسرة.
ومع اقتراب تنظيم كأس العالم 2030، يعتبر الرماني أن معالجة الظواهر التي تمس الفضاء العام تكتسي أهمية إضافية، سواء من حيث صون كرامة المواطنين أو تحسين صورة المغرب أمام الزوار. كما يدعو إلى تطوير مبادرات بنوك الطعام للحد من هدر الغذاء ومحاربة سوء التغذية، والاستفادة من الدراسات التي ينجزها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، بدل الاكتفاء بإعدادها دون تفعيل توصياتها، إلى جانب تعزيز دور مؤسسة التعاون الوطني في معالجة مظاهر الهشاشة الاجتماعية.
ويشدد الرماني على أن تعدد الملفات المطروحة يفرض على الحكومة ترتيب الأولويات وتحديد المسؤوليات والآجال، بدل الاكتفاء بإعلان أهداف عامة. فبعض التحديات، مثل تقلبات أسعار الطاقة، يرتبط بعوامل خارجية لا تتحكم فيها الحكومة بالكامل، بينما تظل ملفات أخرى، كتحسين الخدمات العمومية وتجويد تدبير الميزانيات، مرتبطة إلى حد كبير بفعالية السياسات الوطنية ونجاعة تنفيذها.
ومن هذا المنطلق، يرى الرماني أن الأشهر الأولى من عمر الحكومة ستكون مناسبة لاختبار قدرتها على التنسيق بين مكوناتها، وتقييم أداء الوزراء الجدد والمستمرين، وتحديد ما إذا كانت التغييرات التي عرفتها التشكيلة ستنعكس على أساليب العمل والقرارات الحكومية. لكنه يعتبر أن التقييم الجدي لا يمكن أن يقوم على التصريحات وحدها، بل ينبغي أن يستند إلى مؤشرات قابلة للقياس، تشمل تطور القدرة الشرائية، وفرص الشغل، وجودة خدمات الصحة والتعليم، ومدى تقدم المشاريع الرامية إلى تقليص الفوارق المجالية.
ويختم الرماني موقفه بالتعبير عن تمنياته بالتوفيق لفاطمة الزهراء المنصوري وأعضاء حكومتها، مع التأكيد على أن التمني لا يعفي من النقاش والمساءلة. فبالنسبة إليه، لا تكفي رمزية تولي امرأة رئاسة الحكومة، ولا استمرار بعض الوزراء أو تعيين وجوه جديدة، للحكم على نجاح التجربة، ما لم تقترن هذه المعطيات بنتائج ملموسة يشعر بها المواطنون.
وبين ثقل التراكمات السابقة وحجم الانتظارات الحالية، يظل السؤال الذي طرحه الرماني في برنامجه «نخرجو ليها ديريكت» مفتوحا: هل تستطيع حكومة المنصوري تقديم حلول مختلفة للمشكلات التي تواجه المغاربة، أم أن استمرار عدد من الوجوه والسياسات سيجعلها أمام اختبار إعادة إنتاج الحصيلة السابقة؟ الإجابة، في نهاية المطاف، ستحددها القرارات التي ستتخذها الحكومة، ومدى قدرتها على تحويل التزاماتها إلى نتائج قابلة للقياس على أرض الواقع.




















