في مشهد سياسي يثير السخرية والشفقة في آن واحد، يعود عبد الإله بنكيران ليمارس هوايته المفضلة في “التبوحيط” والضحك على ذقون المغاربة، مقدماً عرضاً مسرحياً بئيساً بطله رجل يرفض أن يقتنع بأن صلاحيته قد انتهت. الرجل الذي اعتاد أن يعتلي المنصات ليذرف دموع التماسيح ويتحدث بلغة المقهورين و”الدراويش”، متقمصاً دور المناضل المتعفف، نسي أو تناسى أن المغاربة يعرفون جيداً أن تقشف الشيخ المزعوم مكفول بمعاش استثنائي سمين قدره سبعة ملايين سنتيم شهرياً . لكن يبدو أن هذه الملايين السبعة، التي تنزل في حسابه البنكي وهو جالس في فيلته الوثيرة، لم تعد تكفي لإشباع نهم سياسي أدمن ريع المناصب. فبنكيران اليوم لا يصرخ في الميكروفونات حباً في سواد عيون المواطنين، بل طمعاً في العودة إلى رئاسة الحكومة أو اقتناص حقيبة وزارية تضمن له راتباً جديداً وتعويضات أسمن، وتفتح له أبواباً لمزيد من مراكمة الثروة.
ولأن الغاية تبرر الوسيلة في قاموسه، لم يتردد الرجل في استغلال القضايا الوطنية والدولية الحساسة كحطب في مدفأة حملته الانتخابية السابقة لأوانها. ففي خطاباته الشعبوية الموجهة لدغدغة العواطف، يخرج بتصريحات مستفزة من قبيل “لولا حماس لما بقيت غزة، وحماس رجال يحتاج المغرب أمثالهم”، في محاولة مكشوفة للمتاجرة بدم القتلى واستقطاب الأتباع وكأن الرجل مغيب ولايدري كيف أضحت غزة اليوم. لقد بلغ به التيه السياسي حد تناسي أن للمغرب ملكاً ضامناً لأمنه واستقراره، وجيشاً ملكياً باسلاً يحميه ويردع كل من تسول له نفسه المساس بشبر من ترابه، ولسنا ولله الحمد بحاجة لاستيراد أمثلة من الميليشيات ليحاضر علينا شيخ هرم في الوطنية. بل إن زلاته الكارثية بلغت حد الإعلان صراحة وبلا خجل عن تضامنه مع إيران، تلك الدولة التي تقصف دول الخليج ليل نهار وتزعزع استقرار أشقائنا العرب، متجاهلاً بوقاحة أنها تعادي جهاراً نهاراً وحدتنا الترابية وتسلح الانفصاليين، وأن المغرب، بقرار سيادي حاسم، قطع كل علاقاته الدبلوماسية معها! كيف يجرؤ من يطمع في قيادة حكومة المملكة على تلميع صورة نظام معادٍ لوطنه؟ إنها الانتهازية السياسية في أبشع صورها؛ حيث يصبح الوطن والمبادئ مجرد أوراق لعب يرميها على طاولة القمار السياسي من أجل العودة للواجهة.
أما قمة الاستخفاف بذاكرة المغاربة، فتتجلى في تلك الوعود الكاريكاتورية التي يطلقها يميناً ويساراً. يقف اليوم أمام الميكروفون ليقسم بأغلظ الأيمان أنه إذا صعد لرئاسة الحكومة سيزيل “الساعة الإضافية” التي أرهقت المغاربة. ينسى هذا المتقاعد المليونير، أو يتغابى، أن حكومة حزبه هي من فرضت هذه الساعة وشرّعتها! يكسرون أذرع المواطنين ثم يعودون ليعرضوا عليهم الضمادات، معتقدين أن الشعب مصاب بفقدان الذاكرة. هذا الإفلاس في إيجاد مادة حقيقية للخطاب، ظهر جلياً في تخبطه تجاه خصومه. لطالما بنى بنكيران مجده الشعبي على مهاجمة عزيز أخنوش في رئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار، جاعلاً منه “شماعة” يعلق عليها كل فشله. ولكن، بمجرد أن بهتت ورقة الصدام المباشر هذه وتغيرت مواقع اللعب الحزبي، بعد انتخاب الشوكي رئيساً للحزب، وجد بنكيران نفسه عارياً من أي خطاب سياسي، ولم يجد ما يستغله لملء الفراغ سوى اجترار الأخطاء وافتعال زوابع في فناجين فارغة.
ويبدو جلياً أن صافرة انطلاق هذا الموسم الانتخابي المبتذل، التي نفخ فيها بنكيران بكل ما أوتي من شعبوية، لم توقظه وحده. فللأمانة والتاريخ، لا يقف الرجل منفرداً على خشبة هذا المسرح الرخيص، بل تزاحمه جوقة من رؤساء أحزاب آخرين أصابهم سعار “البوز” والبحث المهووس عن اللقطة بأي ثمن. وكأنه قُدّر علينا، نحن المغاربة، أن ندفع ضريبة هذا الإسفاف، وأن نظل أسرى في مقاعد المتفرجين، مجبرين على تجرع مرارة متابعة هذه البهلوانيات السياسية السمجة التي تستغبي عقولنا يوماً بعد يوم.
لقد بلغ الهوس بجمع المال والسلطة مبلغاً جعل الرجل الذي شاخ وبدت عليه بوضوح علامات “الخرف السياسي”، يستميت ويحفر بأظافره للعودة إلى واجهة الأحداث مهما كلفه الثمن. تاريخه مليء بالزلات والأخطاء القاتلة: هو من ابتدع “عفا الله عما سلف” ليحمي المفسدين، وهو مهندس تحرير المحروقات الذي أفرغ جيوبنا. واليوم يحاول استغلال أي شيء، من غزة إلى طهران مروراً بالساعة الإضافية، من أجل تلميع صورته المتهالكة. لا يهمه أن يتناقض مع نفسه، ولا يكترث إن حول المشهد السياسي إلى “حلقة” تهريج، فكل شيء يهون في سبيل أن يعود إلى “الكرسي” ليضيف راتباً حكومياً جديداً إلى جانب معاش السبعة ملايين. السياسة يا سي عبد الإله ليست مسرحاً لـ”الستاند آب كوميدي”، والمغاربة فهموا اللعبة جيداً ولن يلدغوا من جحر المتقاعد المليونير مرتين، فمن يبيع المبادئ ويغازل أعداء الوطن طمعاً في زيادة ثروته، لن يكون أبداً المنقذ الذي ينتظره الشعب.






















