اوسار أحمد/
لم يكن أشد المتشائمين في دكار، ولا أكثر المحللين سذاجة، ليتوقع سيناريو مغايراً لتلك الفضيحة الكروية التي تجرعها المنتخب السنغالي في مونديال الولايات المتحدة الأمريكية. هزيمتان متتاليتان، وبحصيلة كارثية بلغت ستة أهداف بالتمام والكمال في مباراتين؛ ثلاثية فرنسية أولى كشفت العورات، وثلاثية نرويجية ثانية بقيادة “الدبابة” هالاند دقت المسمار الأخير في نعش وهمٍ كروي اسمه “أسود التيرانغا”.
الحقيقة المرة التي لا يريد سماسرة الكرة الإفريقية الاعتراف بها، هي أن سقوط السنغال لم يكن مفاجأة أبداً، بل كان نتيجة حتمية وطبيعية لمنتخب بُنيت أمجاده القارية على ثقافة “التبوحيط” الكروي، والضغط النفسي، واللعب خارج المستطيل الأخضر أكثر من داخله. لقد ذهبوا إلى بلاد العم سام بعقلية “دوريات افريقيا”، معتقدين أن العالم بأسره سيخضع لابتزازاتهم وصراخهم المعتاد.
لقد تعود هؤلاء على أجواء الفوضى في الأدغال الإفريقية؛ حيث القاعدة هي استعراض العضلات على الحكام، والاحتجاج على كل شاردة وواردة. وما زالت ذاكرة المغاربة تحتفظ بتلك المهزلة التي يندى لها الجبين في كأس إفريقيا 2025بالمغرب، حين حولوا الملعب إلى حلبة للبكائيات والانسحاب من الملعب احتجاجا على ضربة جزاء صحيحة وواضحة احتسبها الحكم للمنتخب المغربي، وأطلقوا العنان لجماهيرهم لتعيث في المدرجات شغباً وخراباً، في مشهد همجي هدفه الضغط على البلد المنظم وتحويل العرس الاستثنائي الناجح تنظيمياً الى كارثة، وهذا حال السنغال دائما وأبداً .
لكن، شتان بين بيئة كروية إفريقية ، وبين الولايات المتحدة الأمريكية حيث “القانون يُطبق بحذافيره”. في أمريكا لا أحد يكترث لدموع التماسيح، ولا مجال لتخويف الحكام أو التأثير عليهم بحركات بهلوانية من دكة الاحتياط. هناك، الملاعب مجهزة بكاميرات لا ترحم، وقوانين صارمة تقطع دابر الفوضى، وحكام لا يرتعشون أمام الصخب المفتعل.
عندما غابت البيئة الإفريقية، وغابت الأجواء المشحونة التي يتقنون الاصطياد في مياهها العكرة، ظهر الحجم الحقيقي للمنتخب السنغالي. وجدوا أنفسهم وجهاً لوجه أمام مدارس كروية حديثة (فرنسا والنرويج) لا تعترف بالشعارات ولا بـ”النفخة الكاذبة”، بل بالانضباط التكتيكي، والسرعة، والفعالية أمام المرمى.
ما حدث للسنغال في أمريكا ليس مجرد إقصاء مبكر، بل هو درس بليغ وصفعة مدوية لكل من يعتقد أن “الصياح” و”الشغب” يصنعان منتخباً بطلاً. الهيمنة القارية التي تتحقق بالاستقواء على الحكام وإفساد المباريات بالانسحابات التكتيكية والكولسة في لجان الكاف، تسقط دائماً عند أول اختبار حقيقي في بطولات الكبار. انتهت الحفلة، وسقط القناع، وظهر أن “الأسد” الذي أرعب إفريقيا بالزئير خارج الملعب، لم يكن سوى حمل وديع حين طُبق عليه القانون داخل الملعب!




















