في الغابة، كما في السياسة، وكما في الإعلام، لا تكون الأحجام دائماً كما تبدو، ولا تكون الهيبة فيما يظهر للعيان. فهناك من يقف فوق صخرة فيظن نفسه جبلاً، وهناك من يعتلي كتفي غيره فيعتقد أن قامته قد ازدادت.
وتروي الحكاية أن ضباعا أرادت التخلص من الأسد، لكنهم لم يملكوا شجاعة المواجهة. بحثا عمن يؤدي المهمة نيابة عنهما، فوقع الاختيار على قرد وحمار.
اقترب الاثنان من الأسد كما يقترب الأصدقاء. جالساه، وأكلا معه، وشربا معه، حتى نام مطمئناً. وما إن غفل، حتى التف الحبل حول جسده، ثم انصرفا، تاركين ملك الغابة أسيراً.
وحين استفاق الأسد، لم يؤلمه القيد بقدر ما آلمه أن اليد التي شدّت الحبل لم تكن يد عدو، بل يد من حسبهم يوماً من أهل الوفاء.
وبينما كان يحاول فهم ما حدث، مرّ قرد.
رفع الأسد رأسه وقال بهدوء:
“فك قيدي… وكفاك عبثاً.”
اقترب القرد، وحدّق طويلاً في الأسد المقيّد، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة لم تكن ابتسامة رحمة، بل ابتسامة قرد اكتشف، في خياله، أنه غيّر مجرى التاريخ.
قال مزهواً:
“أنا مجرد قرد… لكنني استطعت أن أربط أسداً. ومن اليوم… سأكون أنا الأسد.”
وغادر، سعيداً بانتصاره، غير مدرك أن الحبال قد تقيد الجسد، لكنها لا تغيّر طبائع الكائنات، ولا تمنح القرد زئيراً لمجرد أنه أمسك بأسد.
وبعد قليل، عاد الحمار.
نظر إليه الأسد وقال:
“فك قيدي… وسأقتسم الغابة معك.”
تردد الحمار طويلاً، ثم أرخى الحبال.
وقف الأسد، ونفض الغبار عن لبدته، وألقى نظرة أخيرة على المكان. أما الحمار، فكان ينتظر، مرتجفاً، جزاء ما اقترفت يداه.
لكن الأسد لم يهاجم.
استدار، ومشى.
صرخ الحمار من خلفه:
“وماذا عن نصف الغابة الذي وعدتني به؟”
توقف الأسد لحظة، ثم التفت إليه وقال:
“الغابة كلها لك…
فأنا لا أقيم في أرضٍ ربطني فيها قرد… وفك قيدي فيها حمار.”
ثم مضى.
ولم يلتفت وراءه.





















